تثير بعض الخطابات الأكاديمية في الحقل المسرحي إشكالية التصنيف الحاد بين قديم وحديث واعتبار بعض النصوص أو المقاربات متجاوزة وأخرى ذات قيمة تأسيسية وكأن تاريخ المسرح سلسلة من القفزات الانفصالية لا مسارًا تراكميا متصلا غير أن هذا التصور يتجاهل طبيعة التفكير المسرحي ذاته الذي تشكل منذ بداياته الأولى بوصفه نسقا لا يقوم على القطيعة بقدر ما يقوم على إعادة التشكيل المستمر للعناصر نفسها داخل سياقات جمالية وتاريخية متبدلة إن البنية الجوهرية للفعل المسرحي المكان الجسد الحركة والفرجة لم تتغير في جوهرها منذ التأسيسات الإغريقية الأولى وإنما أعيد تأويلها وتوسيع وظائفها الدلالية عبر الزمن لذلك فإن ما يقدم أحيانا بوصفه ابتكارا حداثيا هو في كثير من الحالات إعادة اكتشاف لموجودات كامنة في التاريخ المسرحي أعيد تنظيمها ضمن أنساق نظرية جديدة فعلى سبيل المثال لا يمكن فصل تقنيات تجاوز الجدار الرابع عن بعض صيغ الخطاب المباشر في المسرح الإغريقي حيث كانت تتداخل مستويات التمثيل والتلقي وتنكشف حدود الإيهام المسرحي بصورة مبكرة وتوجد إرهاصات لمفاهيم مسرح العبث في مسرحية أوديب ملكا من هذا المنظور لا يبدو المسرح الحديث قطيعة معرفية مع الماضي بقدر ما هو إعادة توزيع للمخزون الجمالي نفسه عبر أدوات تحليل جديدة وسياقات فكرية مختلفة غير أن الإشكال لا يكمن في إنتاج النظريات بحد ذاته بل في تحولها أحيانا إلى أنماط معيارية مغلقة تستهلك بوصفها موضات نقدية دون تفكيك شروطها المعرفية أو مساءلة خلفياتها الفلسفية
وهنا تظهر أزمة في بعض الخطابات الأكاديمية التي تتبنى المفاهيم النظرية بوصفها أدوات جاهزة للتطبيق بدل التعامل معها كبنى إشكالية قابلة للنقد وإعادة البناء فتصبح النظرية المسرحية في بعض السياقات علامة انتماء أكثر من كونها أداة تفكير مما يؤدي إلى فقدان الحس التاريخي الذي يربط المفهوم بسياقه وتحولاته إن الوعي بتاريخية المفاهيم المسرحية يفرض إعادة النظر في فكرة الجديد ذاتها ليس بوصفها نقيضا للقديم بل بوصفها امتدادا له وتحولا داخله فكل نظرية مسرحية مهما بدت حديثة تحمل في بنيتها أثر ما سبقها وتعيد إنتاجه بشكل مختلف لا بإلغائه بل بإعادة تنظيمه ضمن أفق معرفي متجدد.










