يأتي العرض المسرحي الليبي “السياسية العاشق” بوصفه تجربة مسرحية تحمل اشتغالًا فكريًا وجماليًا واضحًا، حيث استطاع فريق العمل بقيادة المخرج عبد السلام الطيرة أن يقدم رؤية إخراجية تتجاوز المباشر نحو بناء دلالي وفلسفي مفتوح على التأويل. النص الذي كتبه بدري نوئيل يوسف انطلق من منطقة شديدة الحساسية، وهي العلاقة الجدلية بين السلطة والعاطفة، بين السياسي بوصفه كائنًا مأزومًا والعاشق بوصفه إنسانًا يبحث عن خلاصه الداخلي، وهو ما منح العرض مساحة تأويلية متعددة القراءات.
لقد برز ذكاء المخرج عبد السلام الطيرة في تعامله مع الميزانسين المسرحي، إذ لم يجعل جسد الممثلة مجرد عنصر تابع للحركة داخل الفضاء، بل حوّل الجسد ذاته إلى مركز دلالي تتحرك من خلاله الصورة المسرحية. وهذه النقطة تعد من أهم مرتكزات العرض، لأن المخرج قلب المعادلة التقليدية التي تجعل الممثل خادمًا للميزانسين، بينما هنا أصبح الميزانسين خادمًا للتكوين الجسدي والتعبيري للممثلة، الأمر الذي منح العرض حيوية بصرية وإيقاعًا داخليًا متماسكًا.
كما أن النص المسرحي اتسم بقوة الطرح والاختيار الموفق للفكرة، إذ اعتمد على لغة تحمل أبعادًا رمزية وفلسفية دون أن تفقد قدرتها على التواصل مع المتلقي. النص لم يقع في المباشرة السياسية، بل اشتغل على الإيحاء والرمز، وهو ما أعطى للعرض عمقه الفكري وجعل المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى وليس مجرد مستقبل سلبي للأحداث.
أما أداء الفنانة عائشة الماجري، فقد جاء موفقًا في العديد من الحالات الوجدانية، خصوصًا في لحظات الانفعال النفسي والصراع الداخلي، حيث استطاعت أن تنقل الرسائل الفكرية والعاطفية ضمن إطار فني متكامل. الأداء اتسم بالتحكم في الانفعالات والقدرة على الانتقال بين الحالات الشعورية بسلاسة، وهو ما منح الشخصية صدقًا دراميًا واضحًا.
ومن العناصر اللافتة في العرض كذلك مسألة اللغة ومخارج الحروف، إذ جاءت في المستوى المطلوب، وهو عنصر بالغ الأهمية في المسرح، لأن وضوح النطق وسلامة الأداء الصوتي يسهمان بشكل مباشر في إيصال الفكرة وتعزيز التأثير الجمالي للنص. وقد نجحت الممثلة في الحفاظ على الإيقاع اللغوي دون افتعال، الأمر الذي منح الحوار حضوره وقيمته التعبيرية.
على مستوى السينوغرافيا، استطاع العرض أن يبني فضاءً بصريًا يخدم الرؤية الإخراجية، مدعومًا بالموسيقى والإضاءة التي أشرف عليها م. عمر الصفوة، حيث لعبت الإضاءة دورًا نفسيًا ودلاليًا في تشكيل التحولات الشعورية داخل العرض، بينما جاءت الموسيقى بوصفها عنصرًا مكملًا للحالة الدرامية وليست مجرد خلفية صوتية.
إن أهم ما يميز العرض إخراجيًا هو قدرته على إيصال الفكرة بشكل فلسفي متعدد الدلالات، يفتح باب القراءة والتأويل أمام المتلقي. فالعرض لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يثير الأسئلة ويحفز التفكير، وهو ما يجعل “السياسي العاشق” تجربة مسرحية تنتمي إلى المسرح الذي يؤمن بوعي المتلقي وقدرته على إنتاج المعنى.
وبشكل عام، يمكن القول إن “السياسي العاشق” يمثل محاولة جادة لصناعة عرض مسرحي يجمع بين الحس الجمالي والبعد الفكري، مستندًا إلى رؤية إخراجية واعية، ونص يمتلك أفقًا دلاليًا، وأداء تمثيلي استطاع أن يحمل عبء الفكرة ويحولها إلى صورة مسرحية نابضة بالحياة.











