تبدأ الحكاية بملامح شاب كان يطارد حلمه بين أروقة جامعة الجلالة، تلك المؤسسة التي استأمنها على مستقبله، وتنتهي بصرخة صامتة دوت في ساحاتها حين سقط “كيرلس” من الطابق الرابع ليفتح بسقوطه جرحاً غائراً في جسد المنظومة التعليمية بأكملها. إن المتأمل في هذه الفاجعة يدرك يقيناً أن الجاذبية لم تكن وحدها هي ما أسقط كيرلس، بل كان ثقل “التعسف الأكاديمي” وضجيج الجداول الجائرة التي لم تترك لنفسه المثقلة بالهموم ركناً للنجاة، وهو ما يضعنا أمام مواجهة حتمية مع ملف “الضغط النفسي” المسكوت عنه في أروقة الأكاديميا.
إن الأصل في الأستاذ الجامعي أن يكون قائداً تنويرياً، لكن مأساة كيرلس تكشف الجانب المظلم حين تنحرف السلطة عن مسارها التربوي لتتحول من أداة لقياس المعرفة إلى سلاح للإخضاع. فعندما يُطالب طالب في سنته النهائية بأداء ثلاثة امتحانات في يوم واحد، أحدها مادة “تخلف” من سنوات سابقة، فإننا لا نتحدث هنا عن اختبار للتحصيل العلمي، بل عن دفع متعمد نحو الانهيار العصبي. ومن منظور علم النفس التربوي، يؤدي هذا الحصار الوجودي إلى ما يُعرف بـ “العجز المكتسب”، حيث يشعر الطالب أن كل طرقه مغلقة، وأن كدحه وسهر لياليه مرهون بمزاجية قرار أو جمود لائحة، لتتحول الجامعة من مساحة للنمو إلى بيئة طاردة تفتقر لأدنى ممرات التظلم الآمنة.
ويزداد المشهد قتامة حين نلتفت لشهادات الزملاء والأصدقاء، تلك القلوب التي رصدت ما غفلت عنه العيون خلف المكاتب المغلقة. لقد رأى الأصدقاء ما لم يره الأستاذ المتعنت؛ رأوا ارتجاف اليد، وشحوب الوجه من قلة النوم، وتشتت الذهن بين مسارات دراسية مختلفة في يوم واحد، لتصبح هذه الشهادات بمثابة دليل إدانة ضد نظام يركز أحياناً على “الجباية” في المصاريف، خاصة في الجامعات الأهلية كجامعة الجلالة، بينما يغفل عن “الرعاية” في التنظيم، محولاً الطالب إلى مجرد رقم في كشوف الامتحانات بدلاً من كونه إنساناً له طاقة تحمل بشرية محدودة.
ومع ذلك، فإن إرساء مبدأ العدالة يقتضي منا انتظار كلمة الفصل من جهات التحقيق الرسمية، فالمسألة هنا ليست مجرد اتهام مرسل، بل هي دعوة لإخضاع المنظومة للمساءلة الرصينة. فإذا ما أثبتت التحقيقات وجود علاقة سببية مباشرة بين تعنّت الأستاذ الجامعي أو جمود النظام الإداري وبين وصول الطالب إلى هذه الحالة من اليأس والانهيار، فإن المحاسبة القانونية والجنائية تصبح استحقاقاً لا مفر منه؛ إذ لا يمكن فصل “الفعل” عن “الدوافع” التي أدت إليه، ومن صنع بيئة اليأس بقراراته هو شريك أصيل في المأساة.
إن حق كيرلس، وعناء أسرته، وصرخات زملائه، يجب أن تتحول جميعها إلى ميثاق جديد يضمن “آدمية العملية التعليمية”. فلا بد من إقرار وثيقة حقوق ملزمة تحمي كرامة الطالب وتجرم التنمر الأكاديمي، مع تفعيل وحدات دعم نفسي ومكاتب تظلم مستقلة لضمان حماية الطالب من أي انتقام لاحق. إن المحاسبة الحقيقية تبدأ بضمان ألا تتكرر المأساة، وبإدراك أن الجامعة يجب أن تظل محراباً للأمان والتربية، لا ساحة لتصفية الحسابات أو مقصلة تُذبح عليها أحلام الشباب تحت وطأة الجمود.
فالعدالة لكيرلس ليست مجرد قصاصٍ من مخطئ، بل هي معركةٌ لاسترداد قدسية الروح التي أُهدرت بين أوراق الجداول؛ هي صرخة لكرامة كل طالب يخشى أن ينطق بوجعه، ولن يهدأ لنا بال حتى تصبح حياة الطالب وصحته النفسية هي الأولوية القصوى. ولن يستقيم ميزانُ العلمِ في بلادنا ما دام هناك أستاذٌ يظن أن سلطته تمتدُّ لكسر النفس، أو جامعةٌ تتوهم أن لجانها أقوى من دموع المقهورين.










