كشفت أبحاث حديثة النقاب عن الآلية الجزيئية التي تمكن النباتات من “شم” الروائح والاستجابة لها، رغم افتقارها لأي عضو متخصص كالأنف، مما يفتح الباب أمام تطبيقات ثورية في الزراعة ومقاومة الآفات.
لطالما اعتقد الكثيرون أن النباتات كائنات صامتة لا تتفاعل مع محيطها، لكن العقود الأخيرة شهدت اكتشاف قدرتها على تمييز الروائح المختلفة والإحساس بها، في عملية تشبه حاسة الشم لدى البشر والحيوانات. إلا أن الآلية الدقيقة لهذه القدرة ظلت غامضة حتى وقت قريب.
بروتينات داخل الخلايا تعوض غياب “الأنف”
نشر فريق بحثي دولي نتائج دراسته في دورية “The Plant Journal” العلمية المتخصصة، حيث أوضح الباحث ماثيو إي بيرغمان وزملاؤه أن النباتات تعتمد على بروتينات معينة داخل خلاياها قادرة على الارتباط بالمركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وهي المسؤولة عن الروائح التي تنبعث من الكائنات الحية حولها.
وهنا يكمن الاختلاف الجوهري عن آلية الشم لدى البشر: فبينما نمتلك نحن والحيوانات مستقبلات شم على أسطح الخلايا في الأنف ترسل إشارات للجهاز العصبي، فإن النباتات تفتقر للأعصاب والدماغ. وبدلاً من ذلك، تعمل هذه البروتينات داخل الخلية النباتية نفسها.
“مفتاح جيني” يتحكم في سلوك النبات
تكمن العبقرية في أن هذه البروتينات لا تعمل كمستشعرات للروائح فحسب، بل تعمل أيضاً كمثبطات مساعدة للنسخ الجيني. وبعبارة أبسط، فإن ارتباط جزيء الرائحة بهذه البروتينات يؤدي إلى “تشغيل” أو “إطفاء” جينات معينة مسؤولة عن وظائف محددة. وهكذا، فإن رد فعل النبات تجاه رائحة معينة (مثل إطلاق مواد كيميائية لطرد حشرة أو جذب ملقح) هو في الأساس تغيير في طريقة عمل شفرته الوراثية استجابة للمؤثر الخارجي.
قدرات فائقة مقارنة بالحيوانات
يشير الأستاذ كازوشيجي توهورا من جامعة طوكيو، أحد الباحثين المشاركين، إلى أن هذا النظام الجيني قد يمنح النباتات قدرة هائلة على تمييز عدد أكبر من الروائح مقارنة بالبشر. يمتلك البشر حوالي 400 مستقبل شم فقط، بينما يمتلك الفيل حوالي 2000 كأكبر عدد في مملكة الحيوان. لكن عدد الجينات التي يمكن للنباتات توظيفها في هذه العملية قد يتجاوز هذه الأرقام بكثير، مما يمنحها “مكتبة شمية” غنية جداً.
من النظرية إلى التطبيق: ثورة في الزراعة
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تطبيقات زراعية مبتكرة وغير مكلفة، حيث يمكن التحكم في سلوك النباتات وخصائصها دون الحاجة إلى تعديل جيناتها الوراثية بتقنيات الهندسة الوراثية المعقدة والمكلفة. فبمجرد فهم “الرائحة” التي تؤدي إلى وظيفة معينة، يمكن رش النبات بها لتحقيق التأثير المطلوب.
وقد بدأ العلماء بالفعل في استكشاف هذه التطبيقات الواعدة:
مقاومة الآفات: تشير الأبحاث إلى أن فهم كيفية إدراك الحشرات للروائح يمكن أن يسهم في تطوير مبيدات حشرية جديدة وآمنة قائمة على الحمض النووي الريبي (RNA). كما يمكن تعريض النباتات لروائح معينة تجعلها تطرد الحشرات الضارة أو تجذب أعداءها الطبيعيين، في نظام يُعرف بتقنية “الدفع والجذب” (Push-Pull).
تحسين الطعم والرائحة: في دراسة حديثة على الحمضيات، اكتشف العلماء أن مركب “γ-terpinene” هو المسؤول عن رائحة اليوسفي المميزة، وأن هناك عتبة تركيز مثالية لهذه المادة تجعل الثمار محببة للمستهلكين وفي نفس الوقت طاردة للآفات.
جذب الملقحات: يمكن استخدام روائح محددة لجذب النحل والحشرات النافعة لزيادة الإنتاجية.
تحسين جودة المحصول: أظهرت دراسة على نبات اللوتس المقدس (Nelumbo nucifera) كيفية تكوين رائحته العطرية، مما يمكن المربين من تطوير سلالات ذات روائح محسنة.
النباتات.. مملكة ذكية تتحدث بصمت
في النهاية، تبين لنا الأبحاث الحديثة أن النباتات أكثر قدرة وتعقيداً مما كنا نتخيل. فهي لا “تشتم” بدون أنف فقط، بل تتواصل مع بعضها البعض عبر هذه الروائح في “حديث صامت”، وتتخذ قراراتها الدفاعية والتنموية بناءً على المعلومات التي تجمعها من بيئتها. هذا الفهم المتزايد لـ”الحكمة الخضراء” للنباتات يَعِد بإعادة تشكيل علاقتنا مع العالم النباتي وفتح آفاق جديدة للأمن الغذائي والزراعة المستدامة.
أستاذ فسيولوجيا النبات و رئيس قسم النبات بكلية العلوم جامعة الفيوم










