نحن يا صاح من طينٍ واحد، وإنِ اختلفتِ الملامحُ والألوان،
خُلِقنا من أديمِ الأرض، وسنعودُ يومًا إلى حضنِها الحنونِ بلا استئذان.
هذا يكسوهُ بياضُ الثلجِ صفاءً ونقاءً،
وذاك يحملُ من سوادِ الليلِ مهابةً واحتواءً،
وثالثٌ تسرَّبت إلى قسماتِه صفرةُ الرمالِ الذهبيةِ دفئًا وبهاءً،
لكنّ الأرواحَ حين تتعانقُ لا تسألُ عن لونِ الرداءِ ولا عن هيئةِ الوعاءِ.
قد يولدُ امرؤٌ بين الحريرِ والعبير،
ويولدُ آخرُ بين الفقرِ والعُسرِ والكَسير،
غير أنّ الكرامةَ لا تُورثُ بالقصور،
ولا تُشترى بزخارفِ الدور،
بل تُنبتها القلوبُ الطاهرةُ كما يُنبتُ المطرُ الزهرَ في الصدور.
قد أكونُ من الجزائرِ حيثُ البحرُ يعانقُ الجبال،
وقد تكونُ أنتَ من فلسطينَ حيثُ الزيتونُ يكتبُ على الترابِ ملاحمَ النضال،
لكنّ العروبةَ حين تنادينا،
تذوبُ الحدودُ بين أيدينا،
ويصبحُ الحرفُ أخًا للحرف،
والنبضُ صدىً للنبض،
والجرحُ مرآةً لجرحٍ يسكنُ فينا.
ما قيمةُ الأنسابِ إذا خلا القلبُ من الرحمة؟
وما جدوى الألقابِ إذا ماتتْ في الروحِ الشهامة؟
فالناسُ لا تُوزَنُ بذهبِ الجيوب،
بل بصدقِ القلوب،
ولا تُعرَفُ بعلوِّ النسب،
بل بسموِّ الأدب.
إنّ الاختلافَ ليس لعنةً تُفرِّقُ الأرواح،
بل آيةٌ تُعلِّمُنا كيف تتجاورُ الألوانُ دون صراع،
وكيف يلتقي النهرُ بالبحرِ دون خصام،
وكيف تتصافحُ الأيّامُ رغم اختلافِ الأعوام.
فيا ابنَ الأرضِ،
مهما تباعدتِ الأوطانُ واللغات،
فنحنُ أبناءُ آدمَ،
ونحنُ أبناءُ الترابِ والثبات،
نتفاضلُ بالفعلِ لا بالشكل،
وبالخلقِ لا بالخَلق،
وبالتقوى التي ترفعُ الإنسانَ فوقَ وهمِ الفوارقِ والانقسامات.










