كثرت التسريبات والأقاويل حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، وذلك بسبب غياب الحوار المجتمعي الجاد والموضوعي الذي يتيح لكل الأطراف المعنية أن تقول فيه كلمتها قبل إرساله إلى مجلس النواب، خصوصا الأزهر الشريف الذي لم نسمع رأيه في مشروع القانون، صحيح أن الأزهر ليس جهة تشريع، لكنه هو المرجعية الإسلامية الموثوق بها لدى الضمير الشعبي، ووفقا لأحكام الدستور، وكلمته الفاصلة فيما يتعلق بمدى توافق مواد القانون مع الشريعة الإسلامية من شأنها أن تقطع الطريق على المزايدين والمناكفين.
وغني عن البيان أن القانون إذا صدر غير مستوف لشرطي الحوار المجتمعي ورأي الأزهر فلن يكون معبرا عن إرادة الشعب وثقافته وعقيدته وأسلوب حياته، وسيرى الناس أنه قانون مستورد ومفروض عليهم، وحينئذ سيكون ضرره أكثر من نفعه، وسيظل مدانا ومرفوضا شعبيا، وأغلب الظن أن الناس ستتجاهله وتخط لحياتها مسارات بعيدة عنه.
نحن في احتياج حقيقي لتعديلات تعالج سلبيات قانون الأحوال الشخصية الحالي، وهذا أمر طبيعي ومشروع، وأغلب هذه السلبيات تتعلق بأمور جوهرية مثل ترتيبات الطلاق والخلع والنفقة والرؤية، ومطلوب من التعديلات أن تسد الثغرات لا أن تفتح ثغرات جديدة تجعل الزواج صعبا في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية مرهقة، فتنفر الشباب من تكاليفه وأعبائه وقيوده، وتصرفه عن الحلال إلى الحرام، وتدمر مفهوم الأسرة التي هي عماد المجتمع.
والحقيقة أن معظم شكاوى الناس ليست من القانون ذاته، وإنما من إجراءات التقاضي الصعبة التي يفرضها، والتي تطيل أمد القضايا وتجعل الحسم فيها شبه مستحيل، خصوصا حين يستحكم العناد بين الطرفين المتخاصمين فينسيهما التزاماتهما التربوية تجاه أطفالهما، وتسيطر عليهما شهوة الانتقام والتلاعب والتهرب من المسئولية، ولا تستطيع العدالة البطيئة علاج هذا التلاعب.
وانطلاقا من هذه الحقيقة أستطيع أن أضع بعض النقاط على هامش القانون، ربما تكون مفيدة في الحوار المطلوب، وذلك على النحو الأتي:
ـ أي خلل بالتوازن الأسري في عقد الزواج بين حقوق الزوج وحقوق الزوجة التي كفلها الشرع الحنيف بحجة ضمان حقوق المرأة سيأتي بنتائج عكسية، ومن ثم يجب العودة لتقاليدنا وقواعدنا الراسخة؛ القوامة للرجل، فهو رب الأسرة وراعيها وحاميها، وعلى عاتقه تقع مسئولية النفقة في حدود القدرة، ومحاولة تقويض مكانته أو إرهابه أو تكبيله بوثائق تأمين مالي للمرأة تثقل كاهله وتكون سيفا على رقبته كفيلة بزرع بذور الشقاق، وتدمير أعمدة الأسرة قبل بنائها.
ـ للرجل حق الطلاق، وللمرأة حق الخلع، ولعلاج السلبيات الناشئة عن ممارسة كل طرف لحقه يجب إلزام كل منهما بتسجيل الطلاق والخلع رسميا حين يقع، وإبلاغ الطرف الآخر في غضون أسبوعين من قرار الانفصال، والحصول على ما يفيد بعلمه رسميا، ومن حق كل منهما أن يتزوج ثانية بعد استيفاء حقوق الآخر، “لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده”(البقرة 233).
ـ يلتزم المطلق بنفقة أبنائه، وتوفير مسكن ملائم لهم مع الحاضنة إذا لم يستمروا في مسكن الزوجية، ويكون المسكن الجديد متناسبا مع المستوى الاجتماعى للأسرة، “أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم”(الطلاق 6)، ولا يجوز له أن يهبط بمستواهم التعليمي بعد الانفصال نكاية في أمهم.
ـ نفقة الأولاد مقدمة على أي التزامات أخرى، ويكون البت القضائي فيها سريعا بعد جلستين على الأكثر، والدولة ملزمة بالحصول على هذه النفقة من الزوج أو من أبيه القادر إذا تهرب الزوج أو تلاعب، ولها أن تستخدم في ذلك كل السبل والوسائل حتى لو استدعى الأمر اقتحام الحسابات السرية في البنوك، فمصلحة الأولاد تجب كل القواعد.
ـ حضانة الأولاد تكون للأم أولا إن لم تتزوج، ثم لأم الأم إن قبلت وكانت قادرة، ثم لأم الأب إن قبلت وكانت قادرة، ثم للأب، وفي كل الأحوال لا يجوز لطرف من هؤلاء أن يحرم الأطراف الأخرى من استضافة الأولاد، بشرط التزام الوالد بدفع النفقات في مواعيدها، ويسقط حق الاستضافة إذا تهرب من النفقة.










