الطب بين الرسالة والمصلحة.. لماذا بات بعض المرضى يخشون زيارة العيادة؟
هل أصبح المريض مشروع فاتورة؟ أم أن الطب تغير فعلًا؟
في الماضي، كان الطبيب يبدأ رحلته مع المريض بالإنصات قبل أي شيء؛ يسأل، يطمئن، يفحص بعناية، ويحمل سماعته كجزء من صورة ارتبطت في أذهان الناس بالثقة والرحمة والاحتواء.
كان المريض يشعر أن أمامه انسانا قبل أن يكون صاحب مهنة، وأن العلاقة الطبية تقوم على الاطمئنان بقدر ما تقوم على العلاج.
أما اليوم، فقد تغير المشهد في كثير من الحالات بشكل يثير القلق والتساؤل.
لم تعد زيارة الطبيب بالنسبة لبعض المرضى مجرد خطوة للاطمئنان أو البحث عن علاج، بل تحولت أحيانًا إلى مصدر خوف وتساؤلات متزايدة:
هل أصبحت الأولوية دائمًا للتشخيص الدقيق، أم أن الفاتورة الطبية باتت جزءا من المشهد؟
تتردد شكاوى كثيرة داخل المجتمع عن نمط بات مالوفا لدى بعض العيادات: كشف سريع، يليه طلب سلسلة طويلة من التحاليل والأشعة، ثم وصفة علاجية مزدحمة بالأدوية، احيانا قبل أن يحظى المريض بفحص سريري كاف أو وقت مناسب لشرح تفاصيل حالته الصحية.
هنا يطرح الكثيرون سؤالًا مؤلمًا:
ماذا حدث؟ وأين اختفت صورة “طبيب الأسرة” الذي كان يعتمد أولًا على خبرته السريرية وفحصه المباشر قبل اللجوء إلى الأجهزة والفحوصات؟
لا أحد ينكر أن الطب الحديث شهد تطورا هائلًا، وأن التحاليل والأشعة أصبحت أدوات أساسية للتشخيص الدقيق وتقليل احتمالات الخطأ الطبي، بل إن كثيرًا من الأمراض لم يعد اكتشافها ممكن بالاعتماد على الفحص التقليدي وحده.
كما يؤكد متخصصون أن بعض الفحوصات التي يراها المرضى “مبالغا فيها” قد تكون ضرورية طبيا لتجنب مضاعفات أو تشخيصات خاطئة.
لكن الأزمة تبدأ عندما يشعر المريض بأن بعض الوسائل الطبية تحولت ـ في بعض الحالات ـ من أدوات ضرورية إلى روتين متكرر ، ويزداد هذا الشعور عندما يرى المريض نفسه ينتقل داخل دائرة تبدأ من العيادة ولا تنتهي عند الصيدلية أو مركز الأشعة أو معمل التحاليل، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أخلاقيات بعض الممارسات الطبية.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود القلق الطبي فقط، بل تمتد إلى المعاناة الاقتصادية، خاصة لدى المرضى من محدودي الدخل وممن لا يملكون أحيانًا قوت يومهم.
فحين يجد رب أسرة نفسه مطالبا بإجراء سلسلة من التحاليل والأشعة وشراء أدوية مرتفعة الثمن، يصبح المرض عبئا مضاعفا
ألمًا في الجسد واستنزافا في الجيب.
هنا لا يسأل المريض فقط عن العلاج، بل عن قدرته على الاستمرار في رحلة العلاج أصلًا، وسط ظروف معيشية قاسية تجعل كثيرين يؤجلون الفحص أو يتخلون عن الدواء لعجزهم عن تحمّل التكلفة.
وهنا تظهر أزمة أخطر من المرض نفسه: أزمة الثقة .
فعندما يدخل المريض إلى الطبيب وهو يحمل شعورًا مسبقا بالخوف من الاستنزاف أو الشك في دوافع العلاج، تصبح العلاقة الطبية مهددة.
والأسوأ أن هذا التآكل في الثقة يدفع البعض إلى التشخيص الذاتي عبر الإنترنت، أو الاعتماد على نصائح الأقارب ومواقع التواصل الاجتماعي، بما يحمله ذلك من مخاطر صحية قد تكون جسيمة.
لكن هل تكمن المشكلة في بعض الأطباء فقط؟ أم أن الضغوط الاقتصادية، وتحديات المنظومة الصحية، وارتفاع تكاليف التشغيل، والتوسع الكبير في التعليم الطبي وتفاوت مستويات التدريب، كلها عوامل ساهمت في خلق واقع أكثر تعقيدًا؟
الإجابة ليست سهلة، ولا يجوز أن تأتي عبر أحكام عامة أو اتهامات شاملة، خصوصا أن القطاع الطبي لا يزال يضم آلاف الأطباء الذين يؤدون رسالتهم بضمير وإنسانية، ويعملون في ظروف صعبة لإنقاذ الأرواح وتخفيف الألم.
ومع ذلك، فإن مواجهة أي ممارسات خاطئة ـ إن وجدت ـ أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل، من خلال تعزيز الرقابة المهنية، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وإعادة الاعتبار للفحص السريري والوقت الإنساني الذي يحتاجه المريض، إلى جانب تعزيز الشفافية في القرارات الطبية وحق المريض في الفهم والسؤال.
فالطب لم يكن يوما مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية قبل كل شيء.
والثقة التي تهتز بين الطبيب والمريض ليست تفصيلا عابرا، لأنها تمس واحدة من أكثر العلاقات حساسية في حياة الإنسان: علاقة الألم بالأمل.
ويبقى السؤال مفتوحا :
كيف نستعيد الطبيب الذي يطمئن مريضه قبل أن يكتب له قائمة طويلة من الفحوصات والأدوية؟
ولماذا أصبح المريض خائفًا من زيارة الطبيب؟
أولًا.. وأين ذهب الكشف؟










