إنَّ الحقوق والحريات لم تكن لتأتي نصوصًا أو مواد جوفاء، إنما هي أسلوب نظام حياة، وعلى ذلك كان جليًّا أن نتعرف على الحقوق والحريات العامة للأفراد بصفة عامة.
تعد الحقوق والحريات من المباديء السامية التي كفلها الدستور بما لا يخالف الثوابت الدينية، وهي المحور الأساسي الذي يربط بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وأسلوب عيشه ومعاملته داخل مجتمعه مع الآخر، ومع نفسه، ومع ربه.
بل إنه حتى في الأنظمة الديكتاتورية لابد أن تتمسك بالحقوق والحريات العامة ولو على سبيل حفظ ماء الوجه أو كسب تأييد وتعاطف الرأي العام ولو ظاهريًّا، فالحقوق والحريات هي مقياس تقدم الأمم وصلاح أنظمتها، ونظرًا لأن الإنسان بحكم وجوده وكونه مخلوقًا بشريًّا يعيش في المجتمع فإنه منذ بدء الخليقة وعلى مر العصور قد تحددت له حقوق وحريات لكونه إنسانًا، وتعد تلك الحريات من مقومات حياته.
وارتبطت الحقوق والحريات العامة بشكلٍ واضح منذ أن عرفتها المجتمعات القديمة أو الحديثة بموضوعاتها المختلفة، ولكنها ترتبط إلى حدٍ كبير بأمور فكرية وثقافية وأيديولوجية وعقائدية وتاريخية وسياسية مختلفة، الأمر الذي يجعل تعريفها أمرًا نسبيًا على مستوى التعريف والتطبيق.
ونسبية الحريات لها معانٍ متعددة حيث يتغير مفهومها بتغير الزمان والمكان، كما أنَّ الحريات نسبية من حيث أهميتها وضرورتها بالنسبة إلى الأفراد، إذ تعتبر بعض هذه الحريات ضرورية وحتمية للتمتع بباقي الحريات، فالحرية الشخصية ضرورية لممارسة باقي الحريات مثل: حرية التعبير والصحافة والإعلام والتنقل والإقامة والسفر والاجتماع وغير ذلك بما لا يتنافى مع الدين الدستور.
كما نظمت الدساتير والتشريعات حقوق الفرد وحرياتهِ من خلال علاقاتهِ في المجتمع، وتلك العلاقات تستوعب حوانب حياته الاجتماعية والنفسية والعلمية والدينية، ومع تنوع مجالات حياة الإنسان تتنوع كذلك حقوقه وحرياته بل وقد تتغير من بلد إلى بلد آخر، وأحيانًا تختلف الحقوق والحريات في نفس البلد من زمن إلى زمن آخر.
وهنا أطرح سؤالًا جوهريًّا: هل تختلف نسبية الحقوق والحريات في المجتمع المصري قبل أحداث يناير ٢٠١١ وحقبة حكم الإخوان مرورًا بثورة الثلاثين من يونيو ٢٠١٣ وما بعدها؟
قولًا واحدًا: تختلف.
ومما لاشكَ فيه أن هذا الاختلاف والتشابك بين الحقوق والحريات يعني أن ممارسة إحداهما يتوقف على مشروعية النظام الحاكم والحريات الأخرى،
وكثيرًا ما تحتاج ممارسة حرية معينة أيًّا كانت مشروعية هذه الحرية إلى ضمان مشروعية عديد من الحريات التي قد يدرجها الأنظمة والمفكرون تحت تقسيمات وتصنيفات مختلفة.
وخلاصة القول:
الموروث الاجتماعي يمثل الروح التي تلهم بوجود هذه الحقوق، بينما النص القانوني يمثل الجسد الذي يحميها ويضمن ممارستها في المجتمع.
ومما لا شكَ فيه أنَ الدولة المصرية بعد ثورة الثلاثين من يونيو أقرت في دستورها لسنة ٢٠١٢ المُعَدل، وأنَّ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسِ للتشريع، وإقرار الدين الإسلامي دينًا رسميًّا للدولة بعيدًا عن التطرف والغُلو، ومن ثَمَ: يتعيّن الالتزام بالتشريعات التي تحقق هذا القصد بما يَكفُل الحقوق والحريات، وعدم السماح للتيارات الدينية المتشددة والمتطرفة أو العلمانية بإساءة فهم هذه النصوص مع الاحتفاظ بالكيان المدنيّ للدولة.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.










