لو أن أحداً حرص كل صباح أن يقدم لك كوباً من اللبن الطازج السائغ شرابه ، وأنت منبعج منبطح منتفخ في فراشك ، فإما أن تقبله منه شاكراً ، أو ترفضه معتذراً وممتناً ، أو تعرض عنه ، أما أن تشتمه وتسفه مايقدمه لك ، فهذه وضاعة ونطاعة ، ونذالة وقلة أصل لامثيل لها !!.
ولتعلم – ياصديقي – أنني لست ملاكاً ولا معصوماً ولا أدعى المفهومية واحتكار الحقيقة ، وأنني مازلت أسعد بمن يُعلمنى حرفاً وأسعى إليه سعيّاً حثيثاً فأشعر أننى قد صِرت له عبداً ، وكم تعلمت من تلاميذى وأعلنتهم بذلك فخوراً دونما وجل ولا حرج !!.
وكان مولانا الفيلسوف { زكى نجيب محمود } يكتب مقالاً فى الأهرام كل ثلاثاء ، وكان يتعرض لهجوم عنيف من ذوى الأفق الضيّق والفكر المتسطح ، ولكن أقساه جاء ذات مرة من صحافى وغد ، اتهمه بالجهل وعدم الوطنية والدعوة إلى الانحلال ، وكان الرجل قد غادر الثمانين بخمس سنين ، فقال له على استحياء : تتهمنى يابُنىّ بالجهل ، فمابالك برجل منذ سبعين عاماً لاهَمّ له ولاعمل غير القراءة والمعرفة والتعلم ) !! .
وأنا ، كم تطربنى لغة التحاور الراقى ، المدعومة بصحيح الفكر ، المؤكدة بالمعلومات الدقيقة ، البعيدة عن الهوى ، والتحامل ، والاتهامات سابقة التجهيز ، والمواقف النفسية ، والاحكام المسبقة ، والتعميم !!.
قد أغفر لك حماستك وغيرتك الوطنية ، والتى تخفى وراءها حباً للوطن ، وحرصاً عليه ، مهما كانت حدتك ، فهذه بلادنا ، لاهى بلاد السيسى ولا مرسي ، ولا ناصر ولا السادات ، ونحن مَن يدافع عنها ويدفع من دمه ودم أولاده ثمن استمرارها واستقرارها وحماية ترابها ، كما أثمن غيرتك علي الدين ، وثوابته ، دون تنطع ومزايدة !!.
ولكن ، لاتنسى وأنت تنتقدنى ، وتحاورنى ، وتختلف معى ، أن تتوخي الأدب والاحترام ، ولتعلم أنني لا أكتب بأجر ، ولا بتعليمات من أحد ، ومازلت حتي اليوم أدفع ثمن معارضتي وانحيازي لبسطاء الناس ، ومن كل الأطراف !!.
كما عليك أن تعرف أن لى نفساً تغضب وتثور وتحثنى على الرد عليك بمثل ماتقول ، وأكثر ، ولكننى ألجمها ، وأشكمها ، وأثبط من شهوتها للانتقام والثأر ، فقد دربتها بعد طول مُعاناة على تحمل الرزالات ، والتجاوزات ، والاتهامات العبثية ، فما أسهل الرد ، فكما أن لك لساناً سليطاً ، فللناس ألسن !!.
وكم عزمت وأصررت على الإنسحاب بعيداً عن هذا المُعترك الصاخب والعيش وسط كتبى وعالمى ، والاستماع إلى أم كلثوم وفيروز ، وموسيقى بيتهوفن وديستوفسكى وموتسارت ، والشيخ رفعت ، والشيخ ياسين التهامى والنقشبندي ، والتريّض على شاطئ النيل الساحر كل صباح ، وليتولى الله كونه ، ويفعل به مايشاء ، مُقنعاً نفسى أننى قدمت ما استطعت ، طوال مايزيد عن نصف قرن من المعارك التى لم تتوقف لحظة واحدة من عمري ، خسرتها جميعاً ، ولم أكسب فيها معركة واحدة ، ولا شيئاً واحداً ، لامال ولا جاه ولا منصب ، إلا الذي جنيته بجهدى وحقىّ المشروع ، وكان كل شئ مُتاحاً رهن إشارتي ، شريطة الصمت ، أو قليل من الانحناء ، أو المداهنة والنفاق ، أو التفريط ، أو التنازل ، أو حتي المجاملة لأقرب الناس لي !!.
لقد تيقنت أن لدينا أنواعاً عديدة من الأُميّة ، تأتى على رأسها أميّة التحاور ، وأدب الاختلاف ، وتحمل الآخر واستيعابه ، والقدرة على الإنصات والاستماع الجيّد وإعمال العقل واحترام المخالف !!.
فيامَن تتهجم علىّ ، لأنى أقول ما لايعجبك ، تريّث ، وحنانيك ، واهدأ قليلاً ، وتأدب ، والزم حدودك ، فقد بلغ السيل الزبي ، وطفحت مجاري البذاءة حتي أغرقت الوادي !! .
عندما أطلق الصحفي { محمد عبد القدوس } لحيّته ، وهو إبن الرائع { إحسان عبد القدوس } ، بعدما تزوج من ابنة الشيخ { محمد الغزالى } ، قال له والده إحسان : [ أتمنى لو تترك لى مكاناً فى خدك الجميل ، خاليّاً من الشعر ، حتى أستطيع أن أُقبلك فيه ] !! .
ياسلااام ، مُنتهى الرُقىّ !!.
فهل ثمة من أمل فينا أن نرتقي مثل هذا الرقي ياسادتي !!.










