أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف سلطنة عمان وضغوطه على السعودية وقطر لإجبارهما على الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع مع إسرائيل صدمة في دول الخليج والعالم العربي، وفي الداخل الأمريكي أيضا، نظرا لأن عمان حليف إستراتيجي لأمريكا مثل شقيقاتها الخليجيات، ووسيط موثوق به في مفاوضاتها مع إيران، كما أن السعودية وقطر شريكان رئيسيان للولايات المتحدة، وهذه اللغة الحادة التي استخدمها ترامب في التهديد والابتزاز العلني تمثل انقلابا على الأعراف الدبلوماسية في التعامل مع الدول الصديقة.
وكانت عمان قد أجرت تفاهمات مع إيران للوصول إلى شكل من الإدارة المشتركة لمضيق هرمز، بدعوى أن المضيق مياه إقليمية مشتركة للدولتين، لكن هذه التفاهمات أغضبت ترامب وفريقه المتحفز، ما دفعه إلى أن يصرح في اجتماع يوم الأربعاء الماضي (يوم عيد الأضحى) بأن “مضيق هرمز سيكون مفتوحا للجميع، إنه مياه دولية، سنراقبه، وعمان ستتصرف مثل جميع الآخرين، وإلا سنضطر إلى قصفها، إنهم يفهمون ذلك”، وأعقب هذا التصريح تهديد رسمي من الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على عمان إذا استمرت في خطط تنظيم حركة الملاحة في المضيق بالتنسيق مع إيران.
وبالتزامن مع هذه التهديدات كشفت تقارير صحفية أمريكية أن ترامب يمارس ضغوطا على دول الخليج (السعودية وقطر تحديدا) لتوسيع دائرة التطبيع مع إسرائيل، والانضمام العلني والفوري إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، مؤكدا أن هذه الدول مدينة له، وعليها رد الجميل مقابل الحماية الأمريكية.
وقد جاء رد الفعل الخليجي الرسمي دبلوماسيا هادئا مؤكدا التمسك بالسيادة الوطنية دون مساومة، وقالت مسقط إن من حقها “إدارة مضيق هرمز مشاركة مع إيران وفقا لمسئولياتهما السيادية على مياههما الإقليمية”، بينما أكدت السعودية وقطر أن “السلام مع إسرائيل له مسار آخر، وله شروطه وارتباطه بالملف الفلسطيني وحل الدولتين، ولا يخضع للضغط المباشر والابتزاز العابر”.
أما ردود الأفعال الشعبية فجاءت صارخة، معبرة عن صدمة واسعة من تهور ترامب وخطابه (البلطجي) مع حلفاء أمريكا التقليديين، لرغبته في الحصول على مزيد من الأموال وصفقات بيع الأسلحة، ولرغبته أيضا في فرض الأجندة الأمريكية وضمان التبعية المطلقة لواشنطن، فضلا عن أن طرح التطبيع حاليا ليس أكثر من محاولة مكشوفة للزج بدول الخليج إلى دائرة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، وتسجيل إنجاز شخصي لنتنياهو بعد أن فشلت الحرب على إيران في تحقيق أهدافه.
ويرى محللون سياسيون أمريكيون أن انقلاب ترامب على دول الخليج يشكل خطأ إستراتيجيا كبيرا يضر بمصداقية أمريكا في هذه المنطقة، ويكفي أن الحرب على إيران كشفت اهتمامه بأمن وحماية إسرائيل على حساب دول الخليج، حيث تم تسخير الدفاعات الأمريكية في المنطقة بالكامل لصد الصواريخ الموجهة لإسرائيل، ولم تهتم بالصواريخ الموجهة لدول الخليج، وإذا ما تأكدت هذه الدول من أن واشنطن غير ملتزمة بالاستقرار طويل المدى فسوف تتجه تلقائيا إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية والعسكرية مع الصين وروسيا والهند.
وإذا كان من غير المنتظر حدوث تحول مفاجئ في علاقات دول الخليج مع الولايات المتحدة إلا أن استمرار ترامب في خطاب التهديد والابتزاز من شأنه أن يقنع هذه الدول تدريجيا بأن الحليف الأمريكي لا يكترث بأمر استقرارها، ولا يرى فيها إلا مصدرا للأموال والصفقات، ومجالا مفتوحا للهيمنة الإسرائيلية، ومن ثم فقد تجد نفسها مضطرة إلى الدخول في تفاهمات مباشرة مع إيران حول قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة وفي مضيق هرمز دون حاجة إلى النفوذ الأمريكي، وإلى القواعد العسكرية الأمريكية التي لم تكن عونا لها، بل كانت عبئا عليها، مع إدخال أطراف إقليمية موثوق بها (مصر وتركيا وباكستان مثلا) كضامنين لهذه التفاهمات.










