يشكّل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في 30 مارس 2026 بأغلبية 62 عضواً مقابل 48، انتهاكاً صارخاً لالتزامات سلطة الاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. إقرار ما يُسمى بقانون إعدام الأسرى من قِبل الكنيست الإسرائيلي، وتعتبره تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا لكل القيم الإنسانية والمواثيق الدولية التي تكفل حقوق الأسرى وتحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
يمثّل هذا التشريع -الذي دخل حيز التنفيذ في الضفة الغربية في مايو 2026 برعاية وزراء في حكومة الاحتلال- تراجعاً عن القيود المفروضة دولياً على الدول القائمة بالاحتلال وتكريساً لسياسات التمييز العنصري
أن هذا التشريع يشكّل انتهاكا صارخا ومركبا لقواعد القانون الإنساني الدولي، الذي يفرض قيودا على صلاحيات الدولة القائمة بالاحتلال فيما يتعلق بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأشخاص المحميين، حيث نصت المادة 68 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه “لا يجوز أن تقضي القوانين الجزائية التي تصدرها دولة الاحتلال وفقا للمادتين 64 و65 بعقوبة الإعدام على أشخاص محميين إلا في الحالات التي يدانون فيها بالجاسوسية أو أعمال التخريب الخطيرة للمنشآت العسكرية التابعة لدولة الاحتلال أو بمخالفات متعمدة سببت وفاة شخص أو أكثر
، وبشرط أن يكون الإعدام هو عقوبة هذه الحالات بمقتضى التشريع الذي كان ساريا في الأراضي المحتلة قبل بدء الاحتلال”.كما تنص المادة ذاتها على أنه “لا يجوز إصدار حكم بإعدام شخص محميّ إلا بعد توجيه نظر المحكمة بصفة خاصة إلى أنّ المتهم ليس من رعايا دولة الاحتلال، وهو لذلك غير ملزم بأيّ واجب بالولاء نحوها”، هذا بالإضافة إلى أنه “لا يجوز بأي حال إصدار حكم بإعدام شخص محمي تقلّ سنّه عن ثمانية عشر عاما وقت اقتراف المخالفة”.
أن هذا الإجراء يمثل انتهاكًا جسيمًا ومركبًا لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ويعكس توجهًا مقلقًا نحو تقويض منظومة الشرعية الدولية.
أن الفلسطينيين بوصفهم شعبًا واقعًا تحت الاحتلال يتمتعون بالحماية القانونية الكاملة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، وأن الأشخاص المحتجزين في سياق النزاع يجب أن يُعاملوا وفق الأطر القانونية التي قررتها اتفاقية جنيف الثالثة بشأن أسرى الحرب، أو وفقًا للحماية المقررة للمدنيين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، بما يضمن تمتعهم بكافة الحقوق والضمانات وعلى رأسها الحق في الحياة، والحماية من الإعدام التعسفي، والتمتع بمحاكمة عادلة. كما يشكل هذا التشريع إخلالًا واضحًا بأحكام اتفاقيات جنيف الأربع، ولا سيما القواعد التي تحظر الاعتداء على الحياة وتمنع إصدار وتنفيذ العقوبات دون ضمانات قضائية أساسية، كما يتعارض مع الالتزامات الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تكفل الحق في الحياة وتحظر الحرمان التعسفي منه وتؤكد على معايير المحاكمة العادلة.
أن إضفاء صفة قانونية داخلية على تدابير تمس الحق في الحياة لا ينشئ مشروعية دولية لها، بل قد يفضي إلى توصيفها كأفعال مجرّمة دوليًا متى اقترنت بغياب الضمانات القضائية أو بطابع تمييزي، وهو ما يندرج ضمن الأفعال التي تناولها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في سياق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
هذا التشريع نعارضه مع القواعد الآمرة في القانون الدولي العام القواعد الآمرة في القانون الدولي، والتي تفرض حظرًا مطلقًا على القتل خارج نطاق القضاء والمعاملة اللاإنسانية، وهي قواعد ملزمة لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ظرف
أن هذا التوجه يثير مخاوف جدية بشأن احترام الالتزامات الدولية ويقوض مبدأ سيادة القانون ويؤدي إلى تداعيات سلبية على فرص الاستقرار والسلم. وفي هذا الإطار تدعو الجمعية إلى ما يلي: اتخاذ موقف دولي واضح يرفض هذا التشريع ويؤكد عدم مشروعيته في ضوء قواعد القانون الدولي. دعوة الأمم المتحدة وأجهزتها المختصة إلى متابعة هذا التطور بصورة عاجلة والعمل على ضمان احترام القواعد الدولية ذات الصلة بحماية الأسرى.
التأكيد على أهمية تفعيل آليات المساءلة الدولية القائمة بما يضمن التحقيق في أي انتهاكات جسيمة ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي. حث الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف على الوفاء بالتزاماتها القانونية في ضمان احترام هذه الاتفاقيات واتخاذ ما يلزم من تدابير دبلوماسية وقانونية مناسبة.
الدعوة إلى تعزيز آليات الرقابة الدولية على أوضاع الاحتجاز بما يضمن الامتثال للمعايير الدولية وحماية الحقوق الأساسية للأسرى. التشديد على ضرورة الامتناع عن اتخاذ أو تنفيذ أي إجراءات من شأنها المساس بالحق في الحياة أو تقويض ضمانات المحاكمة العادلة.
التأكيد على مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها طرفًا راعيًا وضامنًا لعدد من مسارات عملية السلام في الشرق الأوسط بضرورة الاضطلاع بدورها السياسي والقانوني في الضغط نحو الوقف الفوري لهذا التشريع، لما يمثله من عرقلة مباشرة للتفاهمات والاتفاقات المرتبطة بمسار السلام، ولا سيما اتفاقات شرم الشيخ وما يرتبط بها من التزامات تهدف إلى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار
أن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان يمثل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا على المجتمع الدولي، وأن أي إخلال بهذه القواعد يقوض مصداقية النظام الدولي ويهدد استقرار المنطقة بأسرها.
أن حماية الكرامة الإنسانية والحق في الحياة تظل من المبادئ الأساسية التي لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الالتزامات الدولية تمثل انتهاكًا صارخًا للشرعية الدولية وتضعف فرص التوصل إلى حل سلمي عادل وشامل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. إن القانون الذي جرى إقراره هو جزء من مسلسل القتل المتواصل بحق الفلسطينيين في السجون وخارجها، وهو جزء من حرب الإبادة المتواصلة على الشعب الفلسطيني إن التوجه نحو إقرار قانون يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين هو خطوة خطيرة وسابقة تستدعي الإدانة والرفض القاطع على كافة الأصعدة:
من الناحية القانونية: يمثل هذا الإجراء خرقاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، وتحديداً “اتفاقيات جنيف” التي تكفل حماية الأسرى وتمنع محاكمتهم بقوانين استثنائية أو تعسفية. كما يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل حق كل فرد في الحياة.
من الناحية الإنسانية: يُعد هذا القرار تجرداً من أبسط المبادئ الإنسانية، فهو يسلب الإنسان حقه الأساسي في الحياة، ويمثل تصعيداً يكرس القسوة ويتجاهل المواثيق الأخلاقية التي اتفقت عليها الأمم لحماية المستضعفين والمعتقلين.
من الناحية الشرعية: أرست الشريعة الإسلامية مبادئ عظيمة في التعامل مع الأسرى، قوامها الرحمة وحفظ الكرامة والروح، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ على حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. فالإسلام يحرم القتل التعسفي ويوجب الإحسان للأسير وتأمين حياته. العدالة لا تتجزأ، وحقوق الأسرى يجب أن تُصان.
أن هذا القانون يُعد جريمة حرب بحق الشعب الفلسطيني، ويأتي في سياق السياسات والإجراءات التصعيدية التي تنتهجها سلطات الاحتلال في الأرض الفلسطينية كافة، في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
يجب على المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والإنسانية، واتخاذ موقف جاد وحقيقي لوقف هذه الانتهاكات، والعمل على محاسبة دولة الاحتلال وفرض العقوبات عليها بسبب جرائمها المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك ما يتعرض له الأسرى والمعتقلون داخل سجون الاحتلال من تعذيب وعزل وقتل ممنهج.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










