أيها القلب المتعب، أيها الروح المثقلة، أيها العبد المكسور… إلى أين المفر؟
ضاقت بك الدنيا بأرضها، وضاقت بك السبل بأبوابها، وضاقت بك الأيام بأحداثها… فلم يبق لك إلا باب لا يُغلق، وكنفٌ لا يُضام، وحِصنٌ لا يُقتحم: باب الله.
طرقتَ أبواب الناس فخذلتك، وتشبثتَ بالأسباب فخانتك، واغتررت بقوتك فأوهنتك… فلم يبق إلا باب السماء مفتوحاً، وحبل الله ممدوداً، وكنف الرحمن ممهدا.
إنها رحلة هروب… لكنها ليست هزيمة، بل هي شرف الالتجاء. ليست فراراً من الواقع… بل هي عودة إلى الحق.
ليست ضعفاً… بل هي عين القوة حين تُسلم الأمر لمن بيده الأمر.
فإذا أظلمت دنياك فاهرب إلى نوره، وإذا كسّرك الناس فاهرب إلى جبره، وإذا أثقلتك الذنوب فاهرب إلى غفرانه.
يهرب الخائف من بطش الخلق إلى أمن ملك الملك، ويهرب الفقير من ذل الحاجة إلى عز الغنى القهار، ويهرب المذنب من سواد صحيفته إلى بياض عفو علام الغيوب.
أما سمعت نداءه؟ “فروا إلى الله”… نداء نجاة، وصيحة أمان، ودعوة فلاح.
فمن فرّ إليه وجده، ومن لجأ إليه كفاه، ومن اعتصم به نجّاه.
فلا تسأل عن حال من اتخذ الله ملاذه…فقد نام قرير العين، ومشى مطمئن الخطو، وعاش راضي القلب.
لأن من كان الله حسبه، فلا يضيع. ومن كان الله أنسه، فلا يستوحش.
ومن كان الله وليه، فلا يُغلب.
فاهرب إليه بدمعك قبل لسانك، بذلّك قبل سؤالك، بانكسارك قبل دعائك.
قل له: يا رب تعبت…فيقول: عبدي استرح، قل له: يا رب ضللت… فيقول: عبدي هديت، قل له: يا رب كُسرت… فيقول: عبدي جُبرت.
فالفرار إليه راحة بعد تعب، وأنس بعد وحشة، ونور بعد ظلمة، وعز بعد ذلة. فطوبى لعبد عرف الطريق فأسرع، وعرف الباب فقرع، وعرف الكريم فطمع.
اللهم إنا نفرّ إليك منك، ونلوذ بك من سخطك، ونعتصم بحبلك من الضياع.
اللهم اجعلنا ممن إذا ضاقت بهم الدنيا هربوا إليك فوجدوك، فاكتفيت بهم عن العالمين.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا تجعل فرارنا إلا إليك، ولا ملجأنا إلا إلى كنفك.
فالسعادة كلها في قربك، والنجاة كلها في حبك، والعز كله في عبوديتك.










