فى الدولة الحديثة لا تقاس قوة الحياة السياسية بعدد الاحزاب الموجوده على الورق وإنما بمدى قدرتها على التأثير فى القرار العام والتعبير عن مصالح المواطنين وتقديم بدائل حقيقية للسياسات القائمة . ومن هنا يبرز سؤال يطرحه كثير من المصريين .. هل لدينا احزاب معارضة حقيقية ؟ الإجابة ليست سهلة لأن الواقع أكثر تعقيدا من الأحكام المطلقة فلدينا أحزاب سياسية قائمة بالفعل , وبعضها يعلن اعتراضه على قرارات حكومية أو يتبنى رؤى مختلفة فى القضايا الإقتصادية والإجتماعية والسياسية كما أن هناك نوابا داخل البرلمان يحاولون وفق المساحة المتاحة , طرح قضايا المواطنين والتعبير عن أراء مستقلة , لكن السؤال الأهم هل توجد أحزاب معارضة ؟ بل هل تمتلك هذه الأحزاب القدرة الحقيقية على التأثير وصناعة الرأى العام وتقديم نفسها كبديل سياسى قادر على إدارة الدولة إذا اتيحت لها الفرصة ؟
المشكلة أن الحياة الحزبية فى مصر تعانى منذ سنوات طويلة من أزمات متراكمة, فالأحزاب تعانى من ضعف التمويل وتراجع العضوية الجماهيرية ومحدودية الإنتشار فى المحافظات والمراكز فضلا عن غياب التواصل الحقيقى مع المواطنين فى الشارع وأصبح كثير من الناس لا يعرفون أسماء الاحزاب أو برامجها أو حتى الفروق بينها .
وفى المقابل فإن الدولة نفسها تحتاج الى معارضة قوية ومسؤولة لأن المعارضة ليست خطرا على الاستقرار كما يتصور البعض بل هى صمام أمان للدولة .. فالمعارضة الجادة تكشف الأخطاء قبل أن تتفاقم وتنبه الى مواطن الخلل وتقدم بدائل وحلولا قد لا تراها الحكومة من داخل دوائرها المغلقة , التاريخ يعلمنا أن غياب المعارضة القوية لا يؤدى الى مزيد من النجاح بل قد يؤدى الى اتساع الفجوة بين المسؤولين والناس فحين لا يسمع صانع القرار إلا صوت المؤيدين تتراجع القدرة على تقييم السياسات بصورة موضوعية وتصبح الأخطاء أكثر تكلفة على الدولة والمجتمع .
ومن ناحية أخرى فإن المعارضة الحقيقية ليست مجرد رفض دائم لكل شىء وليست خطابات حماسية أو شعارات براقة المعارضة الوطنية هى التى تنتقد عندما يكون النقد واجبا وتؤيد عندما يكون التأييد فى مصلحة الوطن وتقدم البدائل الواقعية القابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء برفض الواقع .
ان مصر اليوم بحاحة الى حياة سياسية اكثر حيوية وأحزاب أكثر قربا من الناس وبرلمان أكثر قدرة على الرقابة والمساءلة وإعلام يتيح مساحة عادلة لتعدد الأراء فالدول القوية لا تخشى المعارضة بل تستفيد منها لانها جزء من منظومة التصحيح والتوازن داخل المجتمع
ويبقى السؤال مطروحا هل المشكلة فى الاحزاب نفسها أم فى البيئة السياسية المحيطة بها ؟ ربما تكون الحقيقة أن المسؤولية مشتركة وأن إصلاح الحياة الحزبية يتطلب إرادة من الجميع من الدولة ومن الاحزاب ومن المواطنين أنفسهم .
فالأوطان لا تبنى بصوت واحد ولا تتقدم برأى واحد وإنما تتقدم عندما تتسع مساحتها لكل الأراء الوطنية المخلصة وعندما تصبح المنافسة على خدمة الوطن لا على مجرد البقاء فى المشهد السياسى .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










