هاجسٌ متعبٌ ذاك الذي يجعلنا نغشي أرواحنا بإرديةٍ الأحلام التي تشبهُ سيركاً، ليس ثمَّة ما يوضحُّ حدودها ومدياتها، يفرزن طالحها وهو كثير من صالحها المألوف،
أولاد الطين بطبيعتهم لا يحبون الأحلام البسيطة السائدة، هناك أشجار يتمنون لو أنّهم بقوة صاعود كهل وصلوا إلى لبها العالي، وراحوا ينزعون ثمارَها بتؤدة ٍ ويسر، تلك شجرة تجد متنازعاً عليها وعراكاً ازلياً، بدأ منذ أول خطوة طين ولن ينتهي حتى اللحظة الحاضرة،
كان الولد العيطه المنحني الظهر قليلاً يقفُ عند الهناك مراقباً الحالمين وهم يسيرون كُلٌ إلى مرامهِ وغايته، هو لم يستقرْ بعد ، ولا يظنُ نفسه سوف تستقر أو تقف عند غاية ٍ واحدة ٍ أو طلب، يضحكُ بصوت ٍ مُجلجل ٍ حين يسمعُ البعض ينصحهُ ( رضا رمانتين فد ايد ما تنكمش)،
تظلُ روحهُ تلوبُ، ويضطربُ القلبُ، ويشعرُ أنَّ خُطاهُ تتعثرُ، في البدايات كان يريدُ أنْ يكون ممثلاً ولم لا.. ليس بعنفوان عمر الشريف ووسامة الن ديلون، لكن الروح تلوبُ، يحظر البياض ويعلن ميلاد شاعر لا يعرفُ إلى أين توصلهُ خطوات الشعر ومصائبه، الشعر مصيبة شيطانية لا يمكنُ التخلص من غوايته، يَخطُ يومياته وكبائر خطاياه ومأثوم خطاه، ولكن ثمَّة ما يشدّهُ إلى بوابة كلية الفنون ليدرس بولهِ العارفين مستحيلهم عوالم الفن السينمائي المجهولة ، كان السؤال يراودُ شفتيه دون لحظة خلاص : كيف نصنعُ فيلماً مُدهشاً يشبهُ تلك الافلام التي أصابتنا بجنون أسميناه جنون السينما ؟
بين الحرب وإفرازاتها ، والخوف وضياعه، أضاع َ رضا المحمداوي صوته، ظل صامتاً يترقب ذاك الضجيج، بضجر وحيرة والكثير من الارتباك، تلك محنة من يقطفُ ثمارَ أحلام كثيرة ومتعددة، أراهُ يجلس خلف الكاميرا مخلوساً.. برغم أنهُ تدرَّبَ جيداً، وحفظ َ بجد ٍ وتتلمذ َ بإخلاص، راحَ يتسيد مشهد الإخراج مع وجود محموم بين ثنايا الشعر، والإهتمام بالمشهد الدرامي العراقي والعربي أحيانا، يقرأ الصورة بمعرفة عرّاف، ويفككُ الرؤيا بوعي شاعر، ظلَّ يبحث ُ، وأراهُ حتى اللحظة يبحثُ أنْ يكون كل شيء وهذا المستحيل بعينهِ في بلد ٍ من مثل هذه البلاد صعب الإبقاء على أكثر من فعل ٍ بين يديك،
بعنفٍ طرق بوابة الشعر المكتظة بالتجارب والوجوه والأصناف والتحديات، وحين فُتحتْ لهُ الأبواب ظلَّ واقفاً يترقب، لم يشأ الدخول لأن للشعر قواعد لعب غير تلك التي تسيِّر الصورة التلفزيونية وتخلق منها مشهداً درامياً، ثمة إشتراطات جعلتْهُ وجلاً كُلّما خَطتْ به القصيدة إلى أمامْ، تراجعتْ به مخاوفهُ إلى وراء،
مرات عديدة رأيتهُ يحاولُ تدجين ذاته، ومرات رأيتهُ يثورُ بهدوء على وصلتْ إليه الحال، لكنه يحرقُ مراكبَ ثورته ويرضى بالحاضر المُتاح، تلك هي محنة الكثير من أصحاب التعددية، هنا يقف.. وهناك يقف.. وأبعد من هناك يظلُ منتظراً علَّهُ يفلح ُ بما يؤكدُ حضورَهُ،
الإشتغال في الدراما عبثُ اللحظة كما أسميهُ، تُقدّمُ ما تُقدّمُ لكنهُ يمرُّ بطريق النسيان دونَ أنْ يُشيرَ إليهِ أحد، وإن أشارَ انما يؤكدُ وجود التأريخ ليس إلّا، يقرأ رضا المحمداوي كل تلك الهواجس والإضطرابات لكنهُ لا يقدرُ على الفكاك، تسحبهُ القصيدة بكل جبروتها فيطيعها دونما إعتراض أو رفض، يرسمُ مقاطعَ عذابه ويغادرُ البياض دونَ البحث عن قيمة ِ ما فعل وقوة ِ تأثيره ِ في المتلقي الذي يريدُ المغاير والمؤكِد للحظور،
يكتبُ مُحللاً وموجهاً لأنهُ بطبعهِ عين إنطباعية جميلة، لكن ليس هناك مَنْ يرضى بما يقول، رُبما أنصتَ إلى مدح وبعض تصفيق، لكن الحقيقة تقول لا جدوى إنك لن تقوى ، ثمة خرابٌ يدّبُ في كل مكان، وعتق يحتاج إلى سنوات من أجل إعادة البهاء اليه، تلك واحدةٌ من محن التأرجح لدى رضا المحمداوي،
أنا أحبهُ شاعراً ، متميزا برغم كل دوّامات الشعر العراقي وصخبه… شاعراً كلُ ما يعوزهُ أنْ يصرخ بالمغايرة والتجديد ومخالفة السائد المعتاد، لو تجرّأ رضا المحمداوي وفعل هذا، لكنا فعلاً قد حصلنا على ما يدعم الشعرية العراقية، لكنهُ ومثلما يقف عند بوابة الدراما، والنقد الدرامي، سيظل واقفاً، لا أدري ما الذي يرقبهُ ، لكني مُتيقن تماماً ، إنهُ يخافُ تحطيم تلك الأبواب ودخولها بقوة ٍ فاعلة ٍ .
قيمة حقيقية قتلتها وظيفة الإنتظار.










