عرف البحث المسرحي المغربي تطورا مهما جدا بالمقارنة مع ما كان سائدا. الذي كان سائدا، والجواب محصور في البحث الأكاديمي، هو المنهج التاريخي. لكن هذا البحث عرف تطورا مهما جدا لاسيما بعد الانفتاح على السيميائيات وضبط أسس النهج السيميائي. وهنا ينبغي ذكر اسمين لهما فضل في هذا التطور النقدي هما محمد التهامي العماري الذي يعد من الأوائل، على الصعيد المغربي، الذين اهتموا بهذا المنهج، من كتبه في هذا الإطار “سيميائيات المسرح” (2021)؛ وكذلك أحمد السبياع من خلال كتابه”مسرح محمود الشاهدي دراسة سيميائية” (2025).
لا يوجد هذا المنهج وحده فقط في البحث المسرحي المغربي، بل توجد كتب أخرى يوجد فيها المنهج التاريخي. وفي بعض الكتب تمتزج الأحكام النقدية، وليس التحليل، بالإيديولوجيا مثل العلاقة بين الشرق والغرب، ومفهوم”التابع”، ومابعد الاستعمار” (مابعد الكولونيالية)، و”الإقامة على الحدود”. هذه الإقامة تَموقُع؛ وهي، في هذا السياق، إقامة ايديولوجية وليست جغرافية بين طرفين مختلفين. ولأنها إقامة إيديولوجية فهي، بالضرورة، منبثقة من دعوة. والبحث العلمي لا يتموقع إيديولوجيا، ولا يدرس ما هو موجود في كل طرف بناء على دعوة إيديولوجية مسبقة.
ثم إن مفهوم “الإقامة على الحدود”هو تعبير مغاير عن مفهوم آخر مستعار هو “البينية”. بسبب هذا الاختيار الإيديولوجي، وكل واحد حر في اختياره لكن لا بد من تسجيل هذا هنا من الناحية المنهجية فقط، فقد نتجت عن هذه الكتابة النقدية، إلى حد الآن، كتابة نظرية. ولم تنتج عنها تحاليل ملموسة نصية وركحية. وإذا كان هذا النوع من “البينية” و”الإقامة على الحدود” قد تحدث عن “الهجنة”، وهو مفهوم مستعار كما بينت ذلك في كتابي”في المسرح مراجعة مفاهيم وأحكام” (2016)، في مسرح الطيب الصديقي، فإنه لم يقدم أي اسم مسرحي بارز في الغرب، مثل الطيب الصديقي في المغرب في الماضي، ينطبق على مسرحه مفهوم “الهجنة”، أي أن مسرحه متأثر بالإبداع المغربي. أما التوظيف الاستعلائي لفنون شرقية في إبداع مسرحي غربي فليس مرده التأثر بسبب النقص في الإبداع.
والمفارقة هي أن هاته “الإقامة على الحدود” تتغذى من مفاهيم طرف واحد منتج للمصطلحات والمفاهيم ذات الصلة هو “الآخر”. بناء على هذا، كان النظر إلى العلاقة بين الشرق والغرب من منظور إيديولوجي وليس من منظور معرفي علمي دون اختيار إيديولوجي مسبق. وعليه، فالمفاهيم السابقة كلها،”مابعد الكولونيالية”، “الإقامة على الحدود”، “البينية”… لا تنفصل عن الإيديولوجيا.
هذا، وقد نسب خالد أمين نصا نقديا لحسن المنيعي ليس من كتابة هذا الأخير بل من ترجمته. هذا النص النقدي المترجَم هو “أخطاء ترتكب في حق بريخت” لكلود روا. لم يقتصر الأمر على هذه النسبة الخاطئة، بل أصدر حكما نقديا بناء عليها يتعلق بحسن المنيعي. كما أن نصوصا نقدية نسبها حسن يوسفي إلى نفسه، أصدر أيضا خالد أمين بناء على هذه النسبة الخاطئة حكما نقديا. هذا علاوة على لإصدار أحكام نقدية عامة عن عروض مسرحية دون توثيق لمكان وزمن المشاهدة. مثال ذلك هذا الحكم عن العرض المسرحي “أولاندو” لولسون، إذ قال الناقد في كتابه “المسرح والهويات الهاربة”:”ولكن العرض اعتراه غموض وسوء فهم نتيجة مثاقفة غير متكافئة الاختيارات الجمالية ومعها الأجندات”(ص 99). وكذلك”وعوض إعادة نقل الوقائع التاريخية، اختار ولسون كعادته أن يبحر بشاعرية نافذة في أعماق رجل وحيد يبحث عن السلم والمصالحة مع الذات..وقد مزج العرض بين الطقوس المسرحية التايوانية بطبولها ورقصاتها المعهودة والجاز الأمريكي… لكن النخب التايوانية استقبلت العرض الأول في 20 فبراير 2010 ضمن حفل افتتاح فعاليات مهرجان التايوان الدولي بتساؤلات مهمة جدا في نقاشنا الحالي، إذ تساءل الكثيرون: أين هي الثقافة التايوانية؟ إنها مجرد تصورات ولسونية للثقافة التايوانية…” (ص 100).
حكم نقدي أقر فيه كاتبه بوجود مزج بين”الطقوس المسرحية التايوانية بطبولها ورقصاتها” وبتساؤل الكثيرين من الجمهور التايواني، كما قال، عن وجود الثقافة التايوانية في العرض المسرحي المذكور. وعلاوة على الحكم الانطباعي “بشاعرية نافذة” دون تحليل ودون تقديم أدلة من العرض نفسه، دون مشاهدة لانعدام وسيلة إثباتها في الكتاب، يوجد اختلاف زمني في تقديم هذا العرض المسرحي في تايوان. ذلك أن الناقد قال في بداية الصفحة التاسعة والتسعين (99) إنه قُدم سنة 2009، وفي نهايتها قال إن”النخب التايوانية استقبلت العرض الأول في 20 فبراير 2010″، المقصود بالعرض الأول “أورلاندو”، وبالعرض الثاني « The Grand Voyage 1433 ».
بناء على هذا، يمكن تتبع أحكام نقدية في هذا الكتاب، وغيره للناقد المسرحي خالد أمين، من أجل فحصها والتدقيق فيها. هذه الأمثلة، مجرد أمثلة، تضع المصداقية على المحك.
وبالمقابل، فقد عرَّف خالد أمين بالمشروع النقدي للباحثة الألمانية إريكا فيشر ليشته من خلال الترجمة، إذ ترجم كتابها “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة”، والترويج للمركز الذي تشرف عليه في الجامعة الحرة ببرلين المتعلق بتناسج ثقافات الفرجة، الذي دعته ليكون عضوا فيه. وقد تحدث في أحد كتبه عن اشتغاله في هذا المركز. وله كذلك قراءات نقدية عديدة منشورة. منها، على سبيل المثال، تلك التي تضمنها كتابه “هوامش على دراسات الفرجة” (2023). توجد في إحدى القراءات تعابير مثل “أجدد إعجابي”، و”مشروعه المسرحي الرصين”، و”طيبة القلب” (ص 207)…”الإعجاب”، و”طيبة القلب” لا علاقة لهما بالتحليل المنهجي. هذا فضلا عن كون تعبير “طيبة القلب”، وهو حكم ذاتي، يتعلق بالشخص وليس بالإبداع. تعبير أين يمكن تصنفيه في إطار المناهج النقدية المعاصرة؟ ثم إن التمعن في هذا الحكم عن القلب بكونه “طيبا” قد يُفضي إلى نتيجة، فقد يكون السبب الجوهري في إطلاقه يتجاوز الإبداع المسرحي.
لكن، بالمقابل، يوجد في القراءة ذاتها مفهوم معبر، في السياق الذي يوجد فيه، بشكل دقيق. هذا المفهوم هو “الرؤية الكابوسية”. وقد يكون مفيدا البحث عن سبب، أو أسباب، وجود هذه الرؤية الكابوسية في الإبداع المسرحي المقصود، لا سيما إذا تكررت، من خارجه. المقصود بهذا الخارج هو الذاتُ والعالمُ معا، أو بالأحرى الرؤية للعالم، بالنسبة لمنهج نقدي تفسيري يدخل خارج الإبداع في نطاق اشتغاله.
هذا، ويمكن القول بأن المشروع النقدي للساهر على مهرجان طنجة السنوي المشار إليه، خالد أمين، والمجلة التي تصدر عنه، كان لهم جميعا، المشروع والمهرجان والمجلة، تأثير واضح في الكتابة النقدية لعدد من النقاد المغاربة منهم على سبيل المثال هشام بن الهاشمي.
هذا الأخير، نشرت له دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة كتابا عنوانه “التناسج الثقافي في المسرح المغاربي” (2013). لهذا الكتاب طبعة ثانية صدرت عن “دار فضاءات” بمدينة عمان بالأردن (2024) تحت عنوان آخر هو “المسرح المغاربي بين الشرق والغرب من تفكيك التمركز إلى التشارك الإنساني”. المُلاحظ أن العنوانين يرتبطان مباشرة بمشروع خالد أمين المشار إليه. دليل ذلك مفهوم “التناسج” الذي كان خالد أمين هو أول من ترجمه إلى اللغة العربية بحكم تكوينه الإنجليزي ودعا إليه، وكذلك من خلال “التمركز”، وهو يتعلق بالغرب، وثنائية الشرق والغرب، “ومابعد الاستعمار” (مابعد الكولونيالية)… مفاهيم يتأسس عليها مشروع خالد أمين النقدي، مع فارق أساسي هو أن هذا الأخير استعمل تلك المفاهيم بعد قراءة الأصول. أما هشام بن الهاشمي فقرأ كتابة هذا الأخير النقدية وترجمات ذات صلة بها لاحقا.
المُلاحظ حين مقارنة الطبعة الأولى مع الطبعة الثانية، هو أنه في الطبعة الثانية حذف المؤلف صفحات دون تقديم أي تفسير لذلك. ويقتضي البحث العلمي ذكر الأسباب التي دعت إلى ذلك الحذف. فقد حذف، على سبيل المثال، ما كنت قد أشرت إليه في هامش رقم 47 في صفحة 91 في كتابي “السيميائيات-التداولية المسرحية ودراسات مسرحية أخرى”. علما بأن كتابي صدر في بداية 2024 والطبعة الثانية لكتابه صدرت في نهاية هذه السنة نفسها. وقد تغير متن الفصل الثاني في الطبعة الثانية بالمقارنة مع الطبعة الأولى لكتابه. عنوان الفصل الثاني في الطبعة الأولى هو”مسرح علي بن عياد وعز الدين المدني..بين سؤال المرجعية وتثمين الانفتاح”. قسمه المؤلف إلى مبحثين، الأول خاص بعلي بن عياد، والثاني خاص بعز الدين المدني. وعنوان هذا الفصل نفسه، أي الثاني، في الطبعة الثانية هو “مسرح عز الدين المدني: بين سؤال المرجعية وتثمين الانفتاح”. وعليه، فقد حذف المؤلف المبحث الأول كله دون ذكر للسبب. إصدار الأحكام عن أي عرض مسرحي يتطلب أولا مشاهدته. لكن الثابت هنا هو أن مؤلف الكتاب، هشام بن الهاشمي، وُلد بعد وفاة المخرج المسرحي التونسي علي بن عياد (1930-1972). ورغم استحالة مشاهدة مسرحيات هذا المخرج، فقد كان المبحث الأول من الفصل الثاني في طبعة الشارقة هو “مسرح علي بن عياد: بين المرجعية الغربية والحفاظ على الهوية العربية”. هذا المبحث حُذف في طبعة عمان.
من الأحكام النقدية الموجودة في هذا المبحث:”غير أن علي بن عياد غيّر هذه النظرة التقليدية للأزياء ومنحها وظيفتها التعبيرية الإيحائية. وبذلك أخذت الملابس دورها المؤثر في حركية العرض المسرحي فنيا ومضمونيا” (ص117). وكذلك “كما حرص على تقديم عروض مسرحية تتناغم مع الإحساس العربي والذوق الخاص، فأخضع النصوص المسرحية العربية إلى تحويرات جعلتها أقرب إلى السياق الثقافي العربي، وتبرم من التقليد الأعمى للغرب” (ص 120).
بغض النظر عن طبيعة هذه الأحكام، فإن الذي أصدرها لم يشاهد أي عرض مسرحي لعلي بن عياد. لهذا، كان من المستحيل عليه تقديم دليل، ولو واحد، على “التحويرات”. كما أنه لم يثبت في الهوامش أي عرض مسرحي شاهده للمخرج المسرحي المذكور. وهو لم يقتصر على الحكم على عروض مسرحية لم يشاهدها، بل حكم أيضا على ذهن علي بن عياد. ذلك أن “ذهن علي بن عياد عج بالعديد من المشاريع الفنية ذات البعد القومي” (ص 119). استشهد المؤلف بمقتطف من حوار مع المخرج المسرحي المذكور أجراه معه سليمان قطاية تحدث فيه عن مشروع واحد وليس مشاريع (ص 119/120).
وعليه، فإن هذا الكتاب في طبعتيه، الكاملة والمنقوصة، في حاجة إلى مراجعة للأحكام النقدية الموجودة فيه ومنها، كذلك، هذا الحكم:”إن ما ينص عليه المدني هو “لاهوتية” وطنية ضيقة تسقط في شراك الوعي الضيق الذي يقوض احتمال التغيير الاجتماعي، لأنه موقف يعاكس تطور التاريخ، ويفتقد شروط الوعي التاريخي في عصر صار لزاما فيه الوصل لا الفصل، والانفتاح لا الانقطاع، وفتح باب التواصل لا إغلاق هذا الباب” (ص 131/132 في ط/ الشارقة، وص 82 ط/عمان).
يُستنتج من هذا الحكم النقدي هو وجود “لاهوتية” وطنية وُصفت بالضيقة، و”شرك الوعي الضيق”، وتقويض احتمال التغيير، وليس أي تعيير إنه التغيير الاجتماعي، ومعاكسة التاريخ، وافتقاد الوعي التاريخي، والفصل وليس الوصل، والانقطاع وليس الانفتاح، وإغلاق باب التواصل. نتيجة هذه الأحكام هي أن عز الدين المدني “سلفي” في وطنيته إلخ. فهل كان الأمر كذلك بالنسبة لمبدع “ثورة الزنج” و”السلطان مولاي الحسن الحفصي”؟.
إضافة إلى مثل هذا الحكم، وفي الكتاب سيل من الأحكام، توجد في الكتاب عبارات عامة غير مقبولة في البحث الأكاديمي مثل”المسرحيون المغاربة”، و”المسرحيون العرب”، و”مثقفو العالم الثالث” (ص130 ط/ش) إلخ. وبصفة عامة، فالكتاب في حاجة إلى مراجعة دقيقة بروح علمية تتقيد بما هو موجود في لغة الكتاب النقدية فقط، مع تقديم الأدلة الضرورية.
ليس هذا الكتاب هو الذي يحتاج إلى مراجعة، بل هناك كتب في حاجة إليها. ومنها كتاب “تداولية الخطاب المسرحي نحو قراءة براغماتية للعرض المسرحي” (الشارقة، 2023) لعمر الرويضي. وقد قمت شخصيا بهذه المراجعة في كتابي “السيميائيات-التداولية المسرحية ودراسات مسرحية أخرى”.
ومن حيث موضوع الاشتغال التطبيقي، توجد كتابة نقدية مغربية اشتغلت على النص الدرامي مثل، على سبيل المثال، كتاب “تطور آليات الكتابة الدرامية في المغرب من النص إلى النص” لتكلماس المنصوري، و”في التحليل الدراماتورجي” لأحمد بلخيري…وقد كان الاشتغال في كتاب “مسرح محمود الشاهدي دراسة سيميائية” لأحمد السبياع على العرض المسرحي. هذا، ناهيك عن المقالات المنشورة هنا وهناك.
إضافة إلى هذا، يوجد كذلك سيل من المقالات اهتمت بالفرجة بصفة عامة. هذه المقالات منشورة في مجلة “دراسات الفرجة” ل”مركز دراسات الفرجة” بطنجة الذي ينظم مهرجانا سنويا في المدينة المذكورة.
لكن رغم هذه الملاحظات، التي لا تنسحب على كل الكتابة البحثية وكل الكتابة النقدية المغربيتين ، فللبحث المسرحي المغربي، وللنقد المسرحي أيضا،، حسب عدد من المعطيات والمؤشرات، اهتمام من لدن باحثين غير مغاربة.










