تمثل القراءة المسرحية (Play Reading) إحدى الممارسات المهمة في العملية المسرحية، إذ تقع في المنطقة الفاصلة بين النص المكتوب والعرض المسرحي المكتمل. وهي ممارسة تجمع بين الأدب وفن الأداء، وتعتمد على تقديم النص الدرامي بصوت مرتفع أمام جمهور أو مجموعة من المستمعين، مع التركيز على الطاقة التعبيرية للكلمة المنطوقة أكثر من الاعتماد على العناصر البصرية والسينوغرافية.
ورغم أن القراءة المسرحية ارتبطت في أذهان كثيرين بمرحلة البروفات الأولية أو اختبار النصوص، فإنها تطورت خلال العقود الأخيرة لتصبح شكلًا فنيًا مستقلاً له جمالياته الخاصة ومهرجاناته وممارساته المهنية في عدد من الدول الغربية. (١)
وارتبطت القراءة المسرحية في بداياتها بمرحلة قراءة النص داخل الفرقة المسرحية قبل الشروع في البروفات، إذ كانت تُستخدم لتعريف الممثلين بالشخصيات والأحداث ومناقشة الرؤية الأولية للعمل. ومع تطور حركة المسرح الحديث خلال القرن العشرين، ولا سيما في المؤسسات المعنية بتطوير النصوص الجديدة، أصبحت القراءة المسرحية نشاطًا مستقلًا يُستخدم لاختبار النصوص وعرضها على الجمهور قبل إنتاجها الكامل. (٢)
ومع نهاية القرن العشرين أصبحت القراءة المسرحية أداةً أساسية في برامج تطوير النصوص المسرحية الجديدة، إذ تُستخدم لعرض النص أمام جمهور محدود بغرض اختبار فاعليته الدرامية والحصول على التغذية الراجعة قبل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج الكامل. كما ظهرت مؤسسات ومهرجانات متخصصة في تطوير النصوص الجديدة تعتمد على القراءات المسرحية العامة بوصفها مرحلة رئيسة من مراحل التطوير، ولا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا. (٣)
ويمكن تعريف القراءة المسرحية بأنها تقديم حي لنص درامي بواسطة قارئ واحد أو مجموعة من القراء أمام جمهور، مع الاحتفاظ بالنص أثناء الأداء والتركيز على التعبير الصوتي بوصفه الوسيلة الأساسية لنقل الحدث الدرامي. (٤)
وتتنوع أشكالها إلى ثلاثة أنواع رئيسية: القراءة الباردة (Cold Reading) وهي التي يقرأ فيها الممثل النص لأول مرة دون تحضير مسبق، مرتكزًا على البديهة والارتجال الصوتي؛ والقراءة المسرحية التقليدية التي تعتمد على تقديم النص بصوت معبّر مع الحد الأدنى من الحركة أو غيابها كليًا، مع الاحتفاظ بالنص بين يدي القارئ؛ والقراءة الممسرحة (Staged Reading) التي قد تتضمن قدرًا محدودًا من الحركة أو الإضاءة أو المؤثرات الصوتية، لتقترب من العرض المسرحي المكتمل دون أن تبلغه. (٥)
وتكمن خصوصية القراءة المسرحية في قدرتها على تحويل الكلمة المنطوقة إلى صورة ذهنية داخل وعي المتلقي. فبدلًا من أن تقدم الصورة جاهزة أمام الجمهور، تدفعه إلى المشاركة في بنائها من خلال الخيال.
وفي هذا السياق يستعيد الدكتور مدحت الكاشف وصف أستاذه الفنان أنور رستم للقراءة المسرحية بأنها “عكس البانتوميم”، فالتمثيل الصامت يعتمد على الصورة في غياب الكلام، بينما تعتمد القراءة المسرحية على الكلام بوصفه أداة لتوليد الصورة الدرامية داخل ذهن المتلقي. (٦)
وتسعى القراءة المسرحية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف،أهمها: اختبار النص الدرامي. الكشف عن مشكلات الحوار. تقييم البناء الدرامي. تطوير الشخصيات. تدريب الممثلين على الأداء الصوتي. قياس استجابة الجمهور. توفير بديل اقتصادي للإنتاج الكامل.
وقد أثبتت التجارب الحديثة أن كثيرًا من النصوص المسرحية خضعت لسلسلة من القراءات قبل وصولها إلى خشبة المسرح في صورتها النهائية. (٧)
وتعتمد القراءة المسرحية على عدد من التقنيات الأساسية منها الأداء الصوتي والذي يشمل: وضوح النطق، والتحكم في طبقات الصوت، والتنغيم، والإيقاع، والصمت الدرامي. ومن التقنيات أيضًا بناء الشخصية حيث يصبح الصوت هو الأداة الأساسية لتجسيد الشخصية وتمييزها عن غيرها. بالإضافة إلى قراءة الإرشادات المسرحية والتي تسهم في بناء العالم التخييلي للنص وقد يؤديها راوٍ أو أحد الممثلين أو المخرج نفسه. وأخيرًا الاقتصاد الحركي فبالرغم من أن الحركة ليست العنصر الأساسي في القراءة المسرحية، فإن بعض أشكال القراءة الممسرحة تسمح بحركة محدودة تخدم المعنى الدرامي.
وتكشف شهادة الدكتور مدحت الكاشف عن جانب مهم من تاريخ القراءة المسرحية في مصر، إذ يشير إلى أن مادة “القراءة المسرحية” أُدرجت لأول مرة ضمن اللائحة الدراسية للمعهد العالي للفنون المسرحية في العام الدراسي 1983/1984، وكانت من المقررات المستحدثة التي دُرست لأول مرة لدفعة عام 1983، وتولى تدريسها الفنان أنور رستم. (٨)
كما يوضح الدكتور مدحت الكاشف أن المادة تعرضت لاحقًا للتقليص قبل أن تعود ضمن نظام الساعات المعتمدة بوصفها مقررًا اختياريًا على مستوى المعهد. ومع ذلك فإن جامعة هليوبوليس للتنمية المستدامة تقوم بعمل قراءة مسرحية بصفة مستديمة ضمن مادة التمثيل بقيادة رئيس القسم د. تامر الجزار والفنان حمادة شوشة.
ويقدم الدكتور كمال يونس تصورًا للقراءة المسرحية بوصفها تجربة أدائية حية تعتمد على الأداء الصوتي للنص المسرحي، وتستهدف اختبار البناء الدرامي والحوار والشخصيات أمام جمهور حقيقي.
وقد طبق هذا التصور عمليًا خلال ورشة الكتابة المسرحية التي أقيمت ببورسعيد ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري عام 2025، بمشاركة الفنان الكبير ياسر علي ماهر كمدرب للإلقاء حيث قُدمت مجموعة من النصوص في صورة قراءات مسرحية أمام الجمهور، في تجربة هدفت إلى اختبار النصوص وتنمية مهارات الكتاب والممثلين في آن واحد. (٩)
وإن المهرجان القومي للمسرح المصري برئاسة الفنان محمد رياض قد ضَمن ضِمن أنشطته في دورته الحالية القراءة المسرحية احتفاءً بالنصوص الفائزة بجائزة التأليف في الدورات الثلاث السابقة وقد أسند المشروع للفنان الكبير الدكتور أيمن عبد الرحمن. والجميل مشاركة ممثلين كبار في هذا المشروع أمثال سعيد صديق وأحمد مختار ومحمود فارس وأيمن إسماعيل ورشا سامي ومحمد سعيد.
إذن لم تعد القراءة المسرحية مجرد خطوة أولى في عملية إنتاج العرض المسرحي، وإنما أصبحت ممارسة فنية وثقافية وتعليمية مستقلة. وهي تتيح للنص أن يُختبر حيًا أمام الجمهور، وتمنح الكاتب والمخرج والممثل فرصة اكتشاف إمكانات العمل قبل انتقاله إلى مرحلة الإنتاج الكامل. كما تكشف التجارب المصرية الحديثة والشهادات الأكاديمية المرتبطة بها عن إمكانات كبيرة لتطوير هذا المجال وتوسيع حضوره داخل المؤسسات المسرحية والتعليمية والثقافية.
الهوامش
١- باتريس بافيس، قاموس المسرح، ترجمة ميشال ف. خطّار، مكتبة الفكر الجديد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ٢٠١٥، ص ٣٠٨.
٢- ينظر سعد أردش، المخرج في المسرح المعاصر، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عدد يوليو ١٩٧٩، الكويت، صفحة ١٤.
٣- موسوعة ويكيبيديا علي الرابط التالي:
https://en.wikipedia.org/wiki/Stage_reading?utm_source=chatgpt.com.
٤ – تعريف خاص بكاتب المقال منقح ومستوحى من تعريفات مختلفة لكتاب سابقين.
5- Rob Urbinati, Play Readings: A Complete Guide for Theatre Practitioners, New York: Routledge, 2015, Introduction, pp. 3–8.
٦- شهادة مكتوبة للدكتور مدحت الكاشف علي الفيس بوك حول تدريس مادة القراءة المسرحية بالمعهد العالي للفنون المسرحية، يونيو 2026.
7- David Edgar, How Plays Work, Nick Hern Books, 2009.
٨- المرجع السابق نفسه (شهادة الدكتور مدحت الكاشف).
٩- شهادة مكتوبة للدكتور كمال يونس علي الفيس بوك حول تجربة القراءة المسرحية بورشة الكتابة المسرحية ببورسعيد ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري 2025.










