لم يكن تشبيه الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الآخير لرئيس وزراء الكيان الصهيونى نتنياهو بـ ” هتلر هذا العصر” مجرد زلة لسان سياسية أوإندفاعية خطابية حماسية بل هى توصيف يضع المجتمع الدولى بأسره أمام مرأة تاريخية مرعبة ويدق ناقوس الخطر فوق برميل بارود عالمى يوشك على الإنفجار .
عندما يعود الخطاب السياسى بالذاكرة خمسة وثمانون عاما الى الوراء فإنه لا يستدعى الأشباح لمجرد التخويف بل يقرأ الحاضر بعيون الماضى .. التاريخ يخبرنا بصوت صارخ أن “سياسة المهادنة” والصمت الدولى المخزى الذى قوبل به جنون هتلر فى ثلاثينيات القرن الماضى كان هو الوقود الحقيقى الذى أحرق ثمانين مليون إنسان فى الحرب العالمية الثانية . واليوم يبدو أن القوى الدولية العظمى ترتكب الخطيئة ذاتها وتتبنى ذات الصمت الاستراتيجى العاجز أمام مايشهده قطاع غزة من حرب إبادة جماعية وتدمير ممنهج لكل مقومات الحياة .
الرسالة الآكثر عمقا وجرأة فى هذا المنعطف التاريخى هى أن النار التى تشتعل اليوم فى غزة لن تكتفى بحدود القطاع المحاصر إن هذا التشبيه الصادم يعيد التذكير بحقيقة جيوسياسية ثابته , الفاشية عندما لا تجد رادعا حاسما فإنها تتمدد وتتعذى على عجز المنظومة الدولية تماما كما فعلت النازية فى أوروبا فرصاصة واحدة فى سراييفوا أشعلت حربا عالمية أولى وسياسة “غض الطرف” عن غزو بولندا فجرت الحرب العالمية الثانية , واليوم بمر الطريق الى الفوضى العالمية الشاملة عبر غزة والمحيط الاقليمى المتأزم .
لقد تجاوزالمشهد الحالى مربع “النزاع الاقليمى” ليتحول الى أزمة اخلاقية وقانونية تضرب عمق النظام العالمى الذى تأسس بعد عام 1945 هذا النظام الذى صيغت مواثيقه – مفارقة – لمنع تكرار المذابح . يقف اليوم مشلول الإرادة ومحكوما بنظام “الفيتو” الذى تحول الى رخصة دولية مفتوحة لإستمرار الجريمة .
الخطورة فى هذا المشهد لا تكمن فقط فى شخص الطاغية بل فى البيئة الدولية التى سمحت له بالظهور والإستمرار فـ “الهتلرية” لم تكن تسحق أوروبا لولا صمت وعجز القوى الكبرى فى ذلك الوقت واليوم يتكرر المشهد ذاته حيث يمنح هتلر العصر الحديث الوقت والغطاء لإتمام محرقته وسط ذهول الضمير الإنسانى العالمى.
الواجب الاخلاقى والسياسى اليوم يتطلب ماهو أبعد من قوافل الإغاثة الإنسانية يتطلب موقفا دوليا حاسما يكسر حالة ” المهادنة الحديثة” ويفرض وقفا فوريا وباتا للعدوان ويفعل أليات المحاسبة الجنائية الدولية ضد مرتكبى جرائم الحرب , تعيد للحق الفلسطينى مشروعيته وللمنظومة الدولية ماتبقى من هيبتها
التاريخ لايعيد نفسه بحذافيره لكنه يكرر دروسه صرامة لمن يرفض القراءة وأن لم يستيقظ الضمير العالمى اليوم لكبح هذا الجنون والإستعلاء بالحق فإن الثمن المستقبلى للآمن والسلم الدوليين سيكون باهظا وفوق قدرة هذا الكوكب على ألإحتمال .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










