الفنُّ الراقي هو الذي يمسكُ بمقودِ الحياةِ على كوكبِ الأرض، لا ليُقلِّدَ الواقعَ تقليدًا حرفيًّا، بل ليُهذِّبَهُ تهذيبًا خلّاقًا. فالفنُّ لا ينسخُ المجتمعَ نسخًا، بل يصوغُهُ صياغةً تسمو بهِ من وحلِ العادةِ إلى علياءِ العبادةِ الجمالية.
للفنِّ نسقٌ جماليٌّ قائمٌ بذاتِهِ، بعيدٌ عن قيودِ القوانينِ الاجتماعية، يتسم بالرمزية، متحررٌ بحريّةٍ مسؤولة. رمزيتُهُ سلاحُهُ، واستقلاليتُهُ بابُهُ للتفاعلِ مع منظومةِ القيمِ كلِّها، وعلى رأسِها منظومةُ الأخلاقِ والآداب. فالفنُّ تعالٍ أخلاقيٌّ، يعيدُ صياغةَ الواقعِ بحيث يجعلنا قادرين على قراءته بشكل خلاق، ويحوِّلُ القراءةَ إبداعًا.
الفنُّ رسالةٌ سامية، والفنانُ الملتزمُ حاملُها وحارسُها. سلوكُهُ ميزانٌ، وتصرفاتُهُ برهانٌ، ويظل دائما تحت أنظار جماهيره وعاشقى فنه، فإذا خرج عن ما هو مألوف فى مضمون التواضع دون غرور أو تعالى على تلك الجماهير، فإنها تقوم بإسقاطه من حساباتها إلى غير رجعة. فإذا تواضعَ ارتفع، وإذا تخلّى عن الغرورِ بلغَ الذروة. وكم من فنانٍ نالَ شهرةً فطغى، وكم من نجمٍ لمعَ فغوى، فسقطَ من الذاكرةِ سقوطًا بلا عودة، وماتَ وهوَ حيٌّ في زوايا النسيان. وكم من فنانٍ آخرَ غابَ جسدُهُ وحضرَ أثرُهُ، وظلَّتْ سيرتُهُ تفوحُ عطرًا في أركانِ الزمان، يتمنى الناسُ عودتَهُ، ويحنونَ لصوتِهِ حنينًا.وهذا يعكس مدى حب الناس للفن الراقى حين يزهر فى بستانه..
إن ميثاقَ الفنِّ الأخلاقي لا يُكتبُ في دساتير، ولا يحتاج إلى الإعلان عن عقوبات مغلظة لمن يخرج عن إطارها، ولا تُقامُ لحدودِهِ سجون. ولا تحتاج ولا تحتكم إلا إلى يقظة الضمير الإنسانى الذى تعنيه مصلحة الوطن والمواطن، حسبُهُ ضميرٌ يقظ، ووطنٌ يعزّ، ومواطنٌ يعتز. يبدأُ هذا الضميرُ من اختيارِ اللفظِ الرصين، وينتهي بهجرِ الحركةِ الفجّةِ التي تنسفُ الدلالةَ نسفًا. والجماهيرُ الواعيةُ ميزانٌ لا يخطئ، تضعُ الفنانَ بأخلاقِهِ في كفّة، وبإنتاجِهِ في كفّة، فترجحُ كفّةُ الصدقِ على كفّةِ التهريج.
الفنُّ نظرةٌ ذاتيةٌ للوجود، وعلى الفنانِ أن يُترجمَ رؤيتَهُ برقابةٍ ذاتيةٍ تمنعُهُ من مجاراةِ الذوقِ الهابطِ هبوطًا فجًّا. فالفنُّ الحقيقى هو الفنُّ المُلتزمُ بالقيم، الذي يُحي البطولاتِ ويُحي القيمَ العربيةَ الأصيلة. الفنانُ الصادقُ يستمدُّ من التاريخِ عبرَهُ، ومن الواقعِ دروسَهُ، فيجسِّدُها عملًا فنيًّا يُعيدُ صياغةَ الإنسانِ، ويُعيدُ بناءَ القيمِ بوسائلَ جماليةٍ تأسرُ العقلَ وتأخذُ القلب.









