في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتراجع فيه البعض إلى مقاعد الصمت، خرج الأستاذ والفنان القدير محمد الصادق، ابن بنغازي الفن والثقافة والمسرح، ليقول كلمته بكل شجاعة ومسؤولية، وليؤكد أن أصحاب التجارب الحقيقية لا يساومون على كرامة المسرح، ولا يقبلون أن تتحول رسالته النبيلة إلى ساحة لوصاية غريبة أو شعارات عجيبة لا سند قانونياً لها ولا جذور ثقافية تعرفها الحركة المسرحية الليبية.
محمد الصادق ليس طارئاً على المسرح، وليس متطفلاً على الفن، بل هو واحد من القامات التي نفتخر بها داخل ليبيا الحبيبة، وصاحب تجربة ثرية، وفنان وإنسان وإداري محترم، يعرف جيداً قيمة الخشبة وقدسية الرسالة الفنية، لذلك لم يكن غريباً أن يتخذ موقفاً تاريخياً بتقديم استقالته من إدارة المسرح الوطني بنغازي، في خطوة أراد بها أن يوصل صوت المسرح وأهل المسرح، قبل أن تُقيد حرية الإبداع بقيود مصطلحات لا يعرفها القانون ولا تعترف بها الثقافة.
أما حكاية ما يسمى بـ«الأمن الفني»، فهي بحق من عجائب هذا الزمان. مصطلح يصلح لأن يكون عنواناً لمسرحية كوميدية سوداء أكثر من كونه قراراً إدارياً محترماً. فمنذ متى أصبحت الفنون تُدار بمنطق الحراسة؟ وهل أصبحت القصيدة تحتاج إلى دورية تفتيش؟ وهل صار النص المسرحي يمر عبر نقاط التفتيش الإبداعية؟!
إن الفن عبر التاريخ كان مساحة للحرية، لا ثكنة للتعليمات، وكان صوتاً للحياة لا مكتباً للرقابة المقنعة بمسميات براقة. لذلك فإن إطلاق مسمى «الأمن الفني» يثير من السخرية أكثر مما يثير من الإعجاب، ويطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام مؤسسات ثقافية أم أمام اختراعات إدارية لا يعرف لها أهل الاختصاص أصلاً ولا فصلاً؟
لقد قال محمد الصادق كلمته حين خرس كثيرون، ووقف موقف الرجال حين آثر البعض السلامة والصمت، ليذكر الجميع أن المسرح ليس ملكاً للدخلاء، ولا ساحة يجرب فيها غير المختصين أفكارهم الغريبة، بل هو بيت أهله ورواده ومبدعيه الذين صنعوا تاريخه وحافظوا على رسالته.
كل الدعم والتقدير للفنان والإنسان محمد الصادق، صاحب الإدارة الحرة، وصاحب الرسالة الراقية، والرجل الذي اختار أن ينتصر للمسرح وأهله، وأن يكتب موقفاً سيبقى شاهداً على أن الكلمة الحرة لا تُقيد، وأن الفن لا يحتاج إلى «أمن فني»، بل يحتاج إلى عقل ثقافي، ورؤية وطنية، واحترام لأهل الاختصاص.
تحية إجلال لابن بنغازي الأصيل، وللفنان الذي أثبت أن أصحاب المواقف لا يُقاسون بالمناصب، بل بما يتركونه من أثر، وأن التاريخ لا يذكر الصامتين، بل يخلد الذين قالوا: لا، حين كان قولها واجباً.
.










