الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

د. شمس راغب تكتب.. الهجر الجميل


” الهجر الجميل في القرآن الكريم : ” حين يؤذيك أقرب الناس تعلم
الهجر الجميل ” •

قال تعالى : ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ” سورة المزمل : الآية ١٠ •
المقدمة :

  • ليس العالم من يكثر الكلام عن القرآن ، وإنما العالم حقا من
    يجعل الناس يرون القرآن في أخلاقه قبل أن يسمعوه من لسانه •
    فإذا وافق السلوك البيان ، دخلت الكلمة القلوب بغير استئذان •
  • إن أعظم انتصار في الحياة ليس أن تنتصر على خصمك ، وإنما أن تنتصر على نفسك • فالناس قد يملكون أن يجرحوا مشاعرك ، لكنهم لا يملكون أن يحددوا أخلاقك ، لأن أخلاق المؤمن يصنعها الوحي ، لا تصنعها مواقف الناس •
  • ومن هنا جاءت عظمة القرآن ؛ فهو لا يبدأ بإصلاح الآخرين
    وإنما يبدأ بإصلاح القلب الذي يتعامل مع الآخرين •
  • ومن دقائق البيان القرآني أن الله تعالى لم يقل :” واهجرهم هجرا جميلا واصبر على ما يقولون ” ، وإنما قدم الصبر على الهجر
    ؛ لأن القلب إذا امتلأ بالغضب لم يعد الهجر جميلا ، بل صار انتقاما • أما إذا سبق الهجر صبر واحتساب ، أصبح خلقا راقيا
    ووسيلة للإصلاح لا للإفساد .
  • ثم يأتي التوجيه الإلهي الخالد ، الذي يحتاجه جميع الناس
    بل المجتمع كله فيقول سبحانه وتعالى :
    ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا “
  • فما هو الصبر الذي يبني النفوس ؟ وما الهجر الذي وصفه الله تعالى بالجمال؟ ولماذا اختار القرآن هذا التعبير الفريد دون غيره؟
    هذا ما أحاول الوقوف عليه في هذه المحاضرة •

•الحمد لله الذي جعل الصبر مفتاح الفرج ، وجعل الحلم
زينة الأخلاق ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أوذي فما
انتقم لنفسه ، وجرح فما دعا على مؤذيه ، بل قال : ” اللهم
اهد قومي فإنهم لا يعلمون “

  • أما بعد : فليست أشد الجراح تلك التي تصيب الجسد ، وإنما التي
    تصيب القلب من كلمة جارحة ، أو موقف قاس ، أو إساءة تأتي
    ممن نحبهم وننتظر منهم الرحمة •
  • وإذا آذاك الناس ، فلا تجعل همك أن تنتصر عليهم ، بل اجعل
    همك ألا تخسر نفسك • فربك لم يكلفك أن تغير قلوب الخلق
    وإنما كلفك أن تحفظ قلبك من الغل ، ولسانك من الزلل وخلقك من السقوط • ومن هنا كان الهجر الجميل عبادة قبل أن يكون سلوكا ، وارتقاء بالنفس قبل أن يكون ابتعادا عن الناس ” .
  • والعجيب أن القرآن لم يقل : ” وانتقم منهم ” … ولم يقل ” اقطعهم ” … بل قال : ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا
    جميلا ” • إنه منهج رباني يعلمنا كيف نحفظ قلوبنا دون أن نفقد أخلاقنا • ولذلك تبقى الآية علاجا لكل من يتعرض للأذى
    في كل زمان •
  • التطبيق العملي في حياتنا :
  • إذا سمعت كلمة تؤذيك … فلا تجعل أول رد هو الرد .. وإذا
    ظلمك قريب … فلا تجعل أول قرار هو القطيعة . بل أسأل نفسك هل سيحل الغضب المشكلة ؟ أم سيزيدها ؟ أحيانا يكون
    الصمت حكمة … والابتعاد المؤقت عبادة … وحفظ اللسان صدقة
  • لمسة تربوية :
    من أجمل مافي الآية أنها بدأت بالصبر وانتهت بالهجر ، لأن من
    لم يصبر لن يكون هجره جميلا ، بل سيكون انتقاما ، أما الصابر
    فيبتعد ويغلق الباب دون أن يغلق قلبه •
  • ستبقى الكلمة تؤلم … وسيظل في الحياة من يسيء ، ومن يجرح ، ومن لا يحسن التقدير … قد يرفع الناس أصواتهم .. لكن الله يرفع درجات الصابرين … وقد يكثر الجارحون … لكن
    الجميل لايضره قبح غيره • فإذا ضاق صدرك من قريب ، أو جار ، أو زميل ، فتذكر أن الله لم يقل : ” وخاصمهم خصاما جميلا ” بل قال : ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا “
  • فيا لها من مدرسة ربانية تعلم الإنسان أن يسموا فوق الجراح
    ، وأن يحفظ لسانه حين تضطرب النفوس ، وأن يبقى جميل الخلق حتى مع من لم يجملوا إليه •
  • فالخلق الجميل أن تحسن لمن أحسن إليك ، وإنما أن يبقى قلبك عامرا بالإيمان حين يختبرك الله تعالى بأذى الناس .
  • أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الصبر الجميل ، والصفح الجميل ، ويجعل أخلاقنا انعكاسا لهدي القرآن الكريم .
    اللهم آمين يارب العالمين .
    ” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
    وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

https://alekhbarya.net/archives/373877

شاهد أيضاً

مفتي الجمهورية يُثمِّن رعاية الرئيسين المصري والكازاخي لجامعة «نور مبارك»

خلال كلمةٍ مسجَّلة لفضيلته بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية «نور مبارك» …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *