” الهجر الجميل في القرآن الكريم : ” حين يؤذيك أقرب الناس تعلم
الهجر الجميل ” •
قال تعالى : ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ” سورة المزمل : الآية ١٠ •
المقدمة :
- ليس العالم من يكثر الكلام عن القرآن ، وإنما العالم حقا من
يجعل الناس يرون القرآن في أخلاقه قبل أن يسمعوه من لسانه •
فإذا وافق السلوك البيان ، دخلت الكلمة القلوب بغير استئذان • - إن أعظم انتصار في الحياة ليس أن تنتصر على خصمك ، وإنما أن تنتصر على نفسك • فالناس قد يملكون أن يجرحوا مشاعرك ، لكنهم لا يملكون أن يحددوا أخلاقك ، لأن أخلاق المؤمن يصنعها الوحي ، لا تصنعها مواقف الناس •
- ومن هنا جاءت عظمة القرآن ؛ فهو لا يبدأ بإصلاح الآخرين
وإنما يبدأ بإصلاح القلب الذي يتعامل مع الآخرين • - ومن دقائق البيان القرآني أن الله تعالى لم يقل :” واهجرهم هجرا جميلا واصبر على ما يقولون ” ، وإنما قدم الصبر على الهجر
؛ لأن القلب إذا امتلأ بالغضب لم يعد الهجر جميلا ، بل صار انتقاما • أما إذا سبق الهجر صبر واحتساب ، أصبح خلقا راقيا
ووسيلة للإصلاح لا للإفساد . - ثم يأتي التوجيه الإلهي الخالد ، الذي يحتاجه جميع الناس
بل المجتمع كله فيقول سبحانه وتعالى :
” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا “ - فما هو الصبر الذي يبني النفوس ؟ وما الهجر الذي وصفه الله تعالى بالجمال؟ ولماذا اختار القرآن هذا التعبير الفريد دون غيره؟
هذا ما أحاول الوقوف عليه في هذه المحاضرة •
•الحمد لله الذي جعل الصبر مفتاح الفرج ، وجعل الحلم
زينة الأخلاق ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أوذي فما
انتقم لنفسه ، وجرح فما دعا على مؤذيه ، بل قال : ” اللهم
اهد قومي فإنهم لا يعلمون “
- أما بعد : فليست أشد الجراح تلك التي تصيب الجسد ، وإنما التي
تصيب القلب من كلمة جارحة ، أو موقف قاس ، أو إساءة تأتي
ممن نحبهم وننتظر منهم الرحمة • - وإذا آذاك الناس ، فلا تجعل همك أن تنتصر عليهم ، بل اجعل
همك ألا تخسر نفسك • فربك لم يكلفك أن تغير قلوب الخلق
وإنما كلفك أن تحفظ قلبك من الغل ، ولسانك من الزلل وخلقك من السقوط • ومن هنا كان الهجر الجميل عبادة قبل أن يكون سلوكا ، وارتقاء بالنفس قبل أن يكون ابتعادا عن الناس ” . - والعجيب أن القرآن لم يقل : ” وانتقم منهم ” … ولم يقل ” اقطعهم ” … بل قال : ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا
جميلا ” • إنه منهج رباني يعلمنا كيف نحفظ قلوبنا دون أن نفقد أخلاقنا • ولذلك تبقى الآية علاجا لكل من يتعرض للأذى
في كل زمان • - التطبيق العملي في حياتنا :
- إذا سمعت كلمة تؤذيك … فلا تجعل أول رد هو الرد .. وإذا
ظلمك قريب … فلا تجعل أول قرار هو القطيعة . بل أسأل نفسك هل سيحل الغضب المشكلة ؟ أم سيزيدها ؟ أحيانا يكون
الصمت حكمة … والابتعاد المؤقت عبادة … وحفظ اللسان صدقة - لمسة تربوية :
من أجمل مافي الآية أنها بدأت بالصبر وانتهت بالهجر ، لأن من
لم يصبر لن يكون هجره جميلا ، بل سيكون انتقاما ، أما الصابر
فيبتعد ويغلق الباب دون أن يغلق قلبه • - ستبقى الكلمة تؤلم … وسيظل في الحياة من يسيء ، ومن يجرح ، ومن لا يحسن التقدير … قد يرفع الناس أصواتهم .. لكن الله يرفع درجات الصابرين … وقد يكثر الجارحون … لكن
الجميل لايضره قبح غيره • فإذا ضاق صدرك من قريب ، أو جار ، أو زميل ، فتذكر أن الله لم يقل : ” وخاصمهم خصاما جميلا ” بل قال : ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا “ - فيا لها من مدرسة ربانية تعلم الإنسان أن يسموا فوق الجراح
، وأن يحفظ لسانه حين تضطرب النفوس ، وأن يبقى جميل الخلق حتى مع من لم يجملوا إليه • - فالخلق الجميل أن تحسن لمن أحسن إليك ، وإنما أن يبقى قلبك عامرا بالإيمان حين يختبرك الله تعالى بأذى الناس .
- أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الصبر الجميل ، والصفح الجميل ، ويجعل أخلاقنا انعكاسا لهدي القرآن الكريم .
اللهم آمين يارب العالمين .
” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين









