لم يعد القلق فى مصر يقتصر على ارتفاع الاسعار وتراجع القدرة الشرائية بل أمتد الى سؤال أكثر إلحاحا هل ما نأكله أمن بالفعل؟ فالغذاء لم يعد مجرد وسيلة لسد الجوع بل أصبح قضية أمن قومى ترتبط بصحة الإتسان ومستقبل المجتمع .
كان المزراع المصرى قديما يعتمد على الآسمدة البلدية ومخلفات الحيوانات والطيور فتخرج الثمار من الآرض كما أرادها الله صغيرة الحجم أحيانا لكنها مكتملة النضج , زكية الرائحة, غنية بالمذاق, تحمل قيمة غذائية حقيقية لم تكن جميلة الشكل فقط بل كانت سليمة الجوهر .
ثم تغيرت معالم الزراعة دخلت الاسمدة الكيماوية وتطورات وسائل الإنتاج وكان الهدف زيادة المحصول وتحسين الإنتاجية وهو أمر لا خلاف عليه أذا تم وفق الضوابط العلمية لكن المشكلة بدأت عندما تحولت المنافسة الى سباق محموم نحو الربح السريع . وأصبح البعض لا ينتظر اكتمال نضج الثمار بل يبحث عن أسرع وسيلة لتغيير لونها وطرحها فى الاسواق قبل أوانها .
ولم يعد المستهلك يميز بين الثمرة التى نضجت على الشجرة وتلك التى اكتسبت لونها بوسائل التعجيل بالنضج فأصبحت العين ترى لونا جذابا بينما قد لا يكون اللب اكتمل نضجة بعد والخاسر فى النهاية المواطن الذى يدفع من صحته ثمن هذا التلاعب
إن استخدام منظمات النمو أو المواد المخصصة لتعجيل النضج يخضع لضوابط علمية وقانونية صارمة لكن الخطر يكمن فى اساءة استخدامها بطرق غير مشروعة أو دون الالتزام بالفترات والجرعات المقررة وهذا تصبح الرقابة ضرورة لا تحتمل التأجيل .
إن صحة الانسان ليست سلعة تباع وتشترى ولا يجوز أن تكون ضحية لجشع البعض كما أن سمعة الزراعة المصرية التى عرفت عبر التاريخ بجودة منتجاتها لا يجب أن تتأثر بتصرفات قلة لا يهمها سوى تحقيق مكاسب سريعة
لذلك فإننا نناشد وزارة الزراعة ووزارة الصحة والجهات الرقابية تكثيف حملات التفتيش على المزارع والاسواق وإجراء التحاليل الدورية للمنتجات الزراعية وتوقيع اقصى العقوبات على كل من يثبت تورطه فى تعريض صحة المواطنين للخطر مع نشر الوعى بين المزارعين بالاستخدام الآمن للمبيدات ومنظمات النمو
أن الآمن الغذائى لا يعنى فقد توافر الطعام بل يعنى أن يكون هذا الطعام أمنا وصالحا للإستهلاك . فالدول تقاس بتقدمها عندما تحمى صحة مواطنيها قبل أى شىء لنحصد الثمار فى موعدها حتى لا نحصد الأمراض قبل أوانها . فمن يحمى صحة المصريين ؟ إنه سؤال لا يحتمل التأجيل لآن حماية الغذاء هى فى النهاية حماية الحياة نفسها .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










