تعرضت الدولة المصرية في الفترة التي سبقت 30 يونيو 2013 لانفلات أمني غير مسبوق، وتصدع في مؤسساتها، وتراجع في هيبتها على المستويين الإقليمي والدولي، مع وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في أغسطس 2012 بعد انتخابات رئاسية ومخاض سياسي معقد، وما تبع ذلك من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متصاعدة، وانتشار لمظاهر الفوضى وانحسار هيبة الدولة. ومع ذلك، لم تستسلم مصر لهذه الحال، بل تمسكت بإرادة شعبها الذي خرج بالملايين في 30 يونيو 2013 مطالبًا بتصحيح المسار واستعادة الوطن.
الحركات الوطنية التي قادتها القوات المسلحة في تلك الفترة تجلت في استجابتها الفورية للإرادة الشعبية. ورغم أن البيان التاريخي في الثالث من يوليو –الذي رسم ملامح خارطة المستقبل الانتقالية– قد ألقاه الفريق أول عبد الفتاح السيسي بنفسه بحضور الرموز الوطنية والدينية، إلا أن البيانات العسكرية والوطنية المتتالية التي تلتها، والتي صدح بها العقيد ياسر وهبة، كانت بمثابة الصوت الإعلامي الرصين للقوات المسلحة في أوقات الأزمات والإنجازات. لقد أظهرت تلك البيانات للعالم كيف يمكن لمؤسسة وطنية أن تكون صمام الأمان الذي يرخي السلام على مصر، لتفيق من أزمة سياسية كادت أن تعصف بمقدراتها، حاملة في ثناياها رسالة مزدوجة: الاطمئنان للمصريين، والردع لكل من يحاول النيل من استقرار الوطن.
أما الفريق أول عبد الفتاح السيسي، الذي خرج من رحم التدين المصري المعتدل والمعهود، فقد حمل على عاتقه مسؤولية ثقيلة في مرحلة دقيقة، واضعًا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فلم يكن الأمر مجرد انتقال سياسي للسلطة، بل كان إعادة تعريف وضبط للعلاقة بين الدين والدولة؛ حيث أثبتت التجربة أن التدين المعتدل يمكن أن يكون أساسًا لحكم رشيد يحافظ على هوية مصر العربية الإسلامية، دون أن يفرغها من محتواها المدني أو يهدد تنوعها الوطني والنسيج المجتمعي الفريد.
أركان الضبط والبناء: من الأمن إلى السيادة
هذه المواقف الوطنية النادرة لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل كانت محفزات حقيقية وصياغة لاستراتيجية شاملة تبلورت في أربعة محاور أساسية:
ضبط الشارع واستعادة الأمن: أعادت وزارة الداخلية بناء استراتيجيتها بشكل شامل، واضعة نصب عينيها استعادة هيبة الدولة وتحقيق أمن المواطن كأولوية قصوى. فشهدت السنوات التي تلت الثورة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات ضبط الجريمة، وتكثيفًا للحملات الأمنية، واعتمادًا على العمل الاستباقي لمنع الجريمة ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع تطوير منظومة تلقي البلاغات لتقليل زمن الاستجابة.
ضبط البوصلة المصرية إقليمياً ودولياً: أعادت ثورة 30 يونيو لمصر هويتها الوطنية ودورها المحوري؛ إذ استردت القاهرة مكانتها كركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط وأفريقيا، واعتمدت دبلوماسيتها على مبدأ تنويع الشراكات، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، مع الوقوف بصلابة لدعم وحدة واستقرار الدول الوطنية.
ضبط القانون وإرساء الشرعية: أرست الثورة دعائم الدولة الحديثة، وأعادت هيبة القضاء وسيادة القانون بعد فترة من التجاذبات السياسية، ووضعت الأسس الدستورية التي تنظم العمل السياسي والمجتمعي، مما ضمن عدم العودة إلى مربع الفوضى والانفلات.
توحيد المسار نحو المستقبل: نجحت هذه المرحلة في جمع المصريين حول مشروع وطني جامع، يضع التنمية والبناء والاستقرار في مقدمة أولوياته، ويمهد الطريق لرؤية مستقبلية طموحة تنطلق من إرث مصر العريق إلى آفاق جديدة من التقدم والازدهار.
بين مطرقة التحديات وسندان الإنجاز
ومع هذا الضبط الشامل، لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ إذ واجهت الدولة المصرية تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة تعمقت بفعل سنوات الفوضى السابقة وبسبب المتغيرات العالمية المتلاحقة. إلا أن مواجهة هذه التحديات –من إصلاحات هيكلية وضغوط معيشية– كانت جزءاً لا يتجزأ من معركة البقاء والنهوض، والتي تطلبت تضحيات حقيقية من أبناء الشعب المصري لإنجاح المشروع الوطني.
ولم يقف الأمر عند حدود الضبط الأمني والسياسي، بل امتد ليشمل ضبط المنظومة الفكرية للشارع المصري بأسره، حيث أصبح العمل، والإنتاج، ومواجهة الواقع بروح المسؤولية هو المسار الأهم. فلم تعد الكلمات أو الشعارات الرنانة وحدها هي الفيصل، بل أصبح الفعل والإنجاز والقدرة على الصمود في وجه الأزمات هما المقياس الحقيقي للمواطنة.
تجلّت الصورة الأجمل في هذا المشهد حين أصبحت اليد التي تحمل السلاح لحماية الحدود وتطهير الوطن من الإرهاب، تساندها في نفس اللحظة يد أخرى تبني وتعمّر الأرض؛ وهو ما جسّد معنى الجندية الحقيقية والمواطنة المنتجة. لقد أيقن الشارع المصري أن التقدم لا يتحقق بالأماني، بل بالعرق والكدح والبناء المتواصل والمستدام.
لقد أثبتت مصر أنها استطاعت بتلاحم شعبها وجيشها أن تصحح مسارها نحو مستقبل أكثر إشراقًا واستقرارًا، مؤكدة أن السلاح في يد والبناء في يد أخرى هو عنوان الدولة القوية التي لا تنام على أمجاد الماضي، بل تصنع حاضرها ومستقبلها بيدين قويتين وإرادة لا تلين.
دماء غالية في سيناء: ثمن تثبيت الدولة
وفي قلب معركة الوجود هذه، خاضت الدولة المصرية أشرس حروبها ضد الإرهاب الأسود في شبه جزيرة سيناء؛ وهي حرب استمرت لنحو عشر سنوات كاملة، دفعت فيها القوات المسلحة والشرطة دماءً غالية وزكية من خيرة أبنائها لتثبيت أركان الدولة وصون ترابها. لم تكن هذه المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت عبئاً أمنياً واقتصادياً هائلاً استنزف الكثير من الموارد، لكنه كان ثمناً حتمياً لا بديل عنه لاستعادة السيادة الكاملة وتطهير أرض الفيروز، ليتحول المشهد هناك من ساحة حرب إلى واجهة جاذبة للتنمية الشاملة والربط بقلب الوطن.
ثنائية الأمن والاقتصاد: من التثبيت إلى الإصلاح الهيكلي
ومع إرساء دعائم الاستقرار الأمني، أيقنت الدولة أن ضبط الشارع لا يكتمل إلا بضبط مسار الاقتصاد وتجفيف منابع الفوضى المالية. ومن هنا، انطلقت مصر في معركة أخرى لا تقل ضراوة، متمثلة في برنامج إصلاح اقتصادي شامل بالتعاون مع المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. كان هذا البرنامج بمثابة جراحة ضرورية وصعبة لضبط المالية العامة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار، وبناء بنية تحتية عملاقة تكون ركيزة للمستقبل، رغم كل الضغوط والأعباء المعيشية التي واكبته وتحملها الشعب المصري بوعي وصبر.
السنة الثالثة عشرة: حصاد الاستمرارية المستدامة
والآن، ومع مرور ثلاثة عشر عاماً على ذلك الحدث التاريخي، تقف مصر لتجني ثمار الصمود، وتكمل منظومة “المميزات” التي انطلقت من أجلها الثورة. فلم يعد الأمر مجرد إجراءات استثنائية لمواجهة أزمة، بل تحول إلى إقرار راسخ ومستدام لكل المسارات المصرية:
مسار الأمن: الذي تحول من مكافحة الإرهاب إلى الاستقرار الكامل والعمل الاستباقي.
مسار القانون: الذي رسخ دولة المؤسسات والمواطنة المتساوية وسيادة الدستور.
مسار الاقتصاد والتنمية: الذي يعيد تمكين القطاع الخاص والاعتماد على الإنتاج المحلي والطاقة المتجددة.
الاستمرارية المستدامة: التي تضمن للأجيال القادمة أن قاطرة البناء لن تتوقف، وأن التخطيط أصبح قائماً على رؤى علمية طويلة المدى.
إن مصر اليوم، وفي ذكراها الثالثة عشرة، تؤكد للعالم أن يدًا تبني ويدًا تحمل السلاح لم تكن شعاراً مؤقتاً، بل فلسفة حكم وحياة، جعلت من الدولة المصرية ركيزة صلبة في منطقة تموج بالاضطرابات، عازمة على إكمال مسيرتها نحو مستقبل واعد يليق بتضحيات أبنائها وتاريخها العريق.










