تركز موازنة العام المالي 2026/2027 على الانضباط المالي وخفض عجز الموازنة، مستهدفة مصروفات بنحو 5.2 تريليون جنيه مصري، وفائضاً أولياً قدره 4%، وإيرادات بحدود 4.1 تريليون جنيه. وتعتمد الرؤية الاقتصادية للدولة على تحفيز النمو الحقيقي ليصل إلى 5.3%، بالتوازي مع زيادة الإنفاق على الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية، ودعم الشراكة مع مجتمع الأعمال عبر تسهيلات ضريبية وجمركية جديدة.
في تقديري، فإن تقييم الموازنة العامة للدولة المصرية 2026/2027 ينبغي أن يقوم على ما تتضمنه من أهداف وسياسات، وكذلك على مدى نجاحها في التنفيذ الفعلي، وليس على الأرقام وحدها.
إذا نظرنا إلى الموازنة من منظور اقتصادي استراتيجي، فإنها تمثل مرحلة انتقالية بين إدارة تداعيات الأزمات العالمية التي شهدتها السنوات الماضية وبين السعي للانتقال إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا وتنافسية. إلا أن نجاح هذه المرحلة يتطلب أن تتحول الموازنة من مجرد أداة لتوزيع الموارد إلى أداة لتحفيز النمو الحقيقي.
فالاقتصاد المصري يمتلك مقومات كبيرة تتمثل في موقعه الجغرافي، والسوق المحلية الضخمة، والبنية التحتية التي شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب مشروعات الطاقة والموانئ والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. لكن هذه المقومات لن تحقق عائدًا اقتصاديًا كاملاً إلا إذا ارتبطت بزيادة الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي الموجه للتصدير.
يمكن النظر إليها من زاويتين:
أولًا: الجوانب الإيجابية
استمرار الدولة في زيادة مخصصات الحماية الاجتماعية، مثل دعم برامج “تكافل وكرامة” وزيادة مخصصات الصحة والتعليم مقارنة بسنوات سابقة.
التوسع في الإنفاق على البنية الأساسية والمشروعات القومية التي تستهدف تحسين الخدمات وتهيئة بيئة الاستثمار.
السعي لتحقيق فائض أولي في الموازنة، وهو مؤشر على محاولة ضبط المالية العامة وتقليل الاعتماد على الاقتراض لتمويل المصروفات الجارية.
استمرار العمل على توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل بدلاً من الاعتماد فقط على فرض ضرائب جديدة.
ثانيًا: أبرز التحديات
استمرار ارتفاع بند فوائد الدين العام، الذي يلتهم نسبة كبيرة من الإنفاق العام ويحد من قدرة الدولة على زيادة الإنفاق التنموي.
ارتفاع إجمالي الدين المحلي والخارجي، مما يجعل الموازنة أكثر حساسية لتقلبات أسعار الفائدة وسعر الصرف.
استمرار معدلات التضخم عند مستويات تؤثر في القوة الشرائية للمواطن، حتى مع وجود زيادات في الأجور أو المعاشات.
الحاجة إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج، حتى لا تتحمل الدولة وحدها عبء خلق فرص العمل والنمو.
ما الذي يحدد نجاح الموازنة؟
نجاح الموازنة لن يقاس فقط بتحقيق الإيرادات المستهدفة أو خفض العجز، وإنما أيضًا بـ:
انخفاض معدل التضخم. زيادة الصادرات. جذب استثمارات أجنبية مباشرة. توفير فرص عمل مستدامة. تحسين مستوى الخدمات العامة. استقرار سعر الصرف. زيادة متوسط دخل المواطن الحقيقي، وليس الاسمي فقط.
ومن ثم، فإن الأولوية خلال العام المالي 2026/2027 ينبغي أن تكون لتعظيم الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات في السلع التي يمكن تصنيعها أو إنتاجها محليًا، بما يخفف الضغط على النقد الأجنبي ويحسن الميزان التجاري.
كما أن استمرار تحسين بيئة الاستثمار يمثل عاملًا حاسمًا، من خلال تبسيط الإجراءات، وتسريع إصدار التراخيص، وتعزيز الشفافية، وتوفير منافسة عادلة بين مختلف المستثمرين. فزيادة الاستثمار الخاص، المحلي والأجنبي، تعد من أهم مصادر خلق فرص العمل ورفع معدلات النمو.
ومن الجوانب المهمة أيضًا، التركيز على الاقتصاد القائم على المعرفة والتكنولوجيا، عبر دعم الصناعات المتقدمة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، بما يسهم في رفع إنتاجية الاقتصاد ويزيد من قدرته التنافسية.
وفي المجال المالي، يظل التحدي الأكبر هو إدارة الدين العام وخفض تكلفة خدمته تدريجيًا، وذلك من خلال زيادة الإيرادات الناتجة عن النمو الاقتصادي الحقيقي، وليس فقط من خلال زيادة الحصيلة الضريبية. فكلما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، انخفضت نسبة الدين إلى الناتج وتحسنت مؤشرات الاستدامة المالية.
كذلك، فإن نجاح الموازنة يرتبط بتحقيق توازن دقيق بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية؛ إذ لا يكفي خفض العجز إذا كان ذلك يأتي على حساب الفئات الأكثر احتياجًا، كما لا يمكن التوسع في الإنفاق دون مراعاة قدرة الاقتصاد على تمويله بصورة مستدامة.
رؤية مستقبلية
إذا نجحت الحكومة في تنفيذ مستهدفات الموازنة، مع استمرار الإصلاحات الهيكلية وزيادة الإنتاج والصادرات، فقد يشهد الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة:
ارتفاعًا تدريجيًا في معدلات النمو الحقيقي.
تحسنًا في استقرار سعر الصرف وزيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي.
انخفاضًا تدريجيًا في معدلات التضخم. زيادة في فرص العمل، خاصة في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية.
تحسنًا في مستويات الدخول الحقيقية للمواطنين. تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في الاقتصاد المصري.
أما إذا تباطأت الإصلاحات أو لم تتحقق المستهدفات الإنتاجية والاستثمارية، فقد تستمر الضغوط المرتبطة بارتفاع خدمة الدين، وتقلبات الأسواق العالمية، والطلب على النقد الأجنبي، وهو ما قد يفرض تحديات إضافية على المالية العامة.
أن الدولة تستهدف تحقيق فائض أولي بقيمة 1.2 تريليون جنيه، بما يعادل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بهدف إتاحة موارد إضافية لخفض الدين العام وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، وفي الوقت ذاته تسعى الحكومة إلى خفض العجز الكلي بنحو 1.2% من الناتج المحلي ليصل إلى 4.9% بحلول يونيو 2027، مع العمل على تقليص نسبة دين أجهزة الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى نحو 78% خلال الفترة نفسها. خطة الوزارة تعتمد على حِزم التسهيلات وتوسيع القاعدة الضريبية عبر ضم الاقتصاد غير الرسمي، ما يسهم في دعم الأهداف التنموية، لزيادة نسبة الإيرادات الضريبية من الناتج المحلي الإجمالي إلى ٪15.2 بحلول العام المالي 2029/ 2030، مقارنة بنسبة 12.3 %خلال العام المالي 2024/ 2025.
يستهدف مشروع الموازنة، أيضًا، خفض دين أجهزة الموازنة للناتج المحلي الإجمالي إلى 78% بحلول يونيو 2027، مقابل 82% متوقعة في يونيو 2026، و88.2% في يونيو 2025.
تتضمن خطة الوزارة الخفض التدريجي لحجم ونسبة الضمانات للناتج المحلي الإجمالي، وتنويع مصادر وأدوات وأسواق التمويل، والعمل على خفض تكلفة الاقتراض المحلي.
تشمل أيضًا التوسع في مبادلة الديون، مقابل الاستثمارات لخفض المديونية، وأولوية استخدام الإيرادات الاستثنائية المحققة من التخارج أو طرح رخص وغيرها من الأمور، بدلاً من الاقتراض التجاري، والاقتراض الخارجي الميسر (قروض دعم الموازنة والاقتراض المدعوم بضمانات من الخارج) بشكل نقدي أكثر توسعاً، خاصة في ضوء انخفاض معدلات التضخم.
تستهدف الوزارة خفض فاتورة الدين لتصل إلى 35% من مصروفات الموازنة على المدى المتوسط، ووضع مسار دين أجهزة الموازنة للناتج المحلي الإجمالي في مسار انخفاض قوي بأقل 70% بحلول العام المالي ٢٠٣٠/٢٠٢٩.لضمان تنفيذ جميع إجراءات زيادة الإيرادات الضريبية المتفق عليها، سيتم تضمين الحزمة الضريبية الجديدة، بجانب الإجراءات المتبقية التي كان مخططًا لها خلال العام المالي 2025/ 2026، ضمن موازنة 2026/ 2027، مع الحصول على موافقة البرلمان عليها بنهاية يونيو 2026، بحسب الصندوق.
الخلاصة
إن موازنة 2026/2027 ليست مجرد موازنة أرقام، بل هي اختبار لقدرة الاقتصاد المصري على الانتقال من مرحلة الاعتماد النسبي على الإنفاق العام والمشروعات الكبرى إلى مرحلة يقود فيها الإنتاج، والاستثمار الخاص، والتصدير، والابتكار، النمو الاقتصادي المستدام. وكلما نجحت الدولة في تحقيق هذا التحول، انعكس ذلك بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطن، وقوة الجنيه، واستدامة التنمية الاقتصادية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










