لا يختلف اثنان على أن منظومة الدعم فى مصر تحتاج الى تطوير يضمن وصوله الى مستحقيه ويمنع اهدار المال العام لكن التطوير شىء والمغامرة بقوت ملايين المواطنين شىء أخر , ومن هنا فإن الدعوات الى التحول الكامل من الدعم العينى الى الدعم النقدى تستحق نقاشا وطنيا هادئا فإن اتخاذ أى قرار خاصة فيما يتعلق برغيف الخبز الذى يمثل خط الدفاع الآول عن الأمن الغذائى للمصريين
قد يبدو الدعم النقدى أكثر مرونة على الورق لكنه فى الواقع يفتح الباب أمام تحديات إجتماعية وإقتصادية معقدة فليس هناك مايضمن أن الآموال المخصصة للغذاء ستنفق بالفعل على الغذاء فقد توجه لسداد الديون أو مصروفات المدارس او العلاج او الملابس أو غيرها من الاحتياجات الملحة بينما يجد افراد الاسرة انفسهم فى نهاية المطاف بلا خبز أو غذاء كاف .
وفى بعض الحالات قد يحصل رب الاسرة على قيمة الدعم وينفقها فى غير مصلحة أسرته بينما لا تستطيع الزوجة أو الابناء الاعتراض وهو ما يحول الدعم من وسيلة لحماية الاسرة الى مبلغ نقدى قد لا يحقق الغاية التى خصص من أجلها وتجارب الدول مثل المكسيك جاءت فى ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة ولا يجوز نقلها الى مصر دون مراعاة خصوصية المجتمع المصرى .
والخطر الأكبر لا يتعلق فقط بطريقة الإنفاق وإنما بما قد يحدث للأسعار فإذا حصل عشرات الملايين من المواطنين على مبالغ نقدية بدلا من السلع فسيتجه الجميع الى الاسواق فى الوقت نفسه لشراء احتياجاتهم وهو ماي عنى زيادة الطلب على السلع الاساسية وفى غياب رقابة صارمة قد يجد بعض التجار فى ذلك فرصة لرفع الأسعار فتتأكل قيمة الدعم خلال ايام قليلة ويصبح المواطن أكثر معاناة مما كان عليه .
ويظل رغيف الخبز هو القضية الآخطر فالخبز ليس مجرد سلعة تموينية بل هو ركيزة الآمن الغذائى لآكثر من سبعين مليون مواطن وإذا تحول الدعم الخاص به الى مبلغ نقدى فإن المستفيدين سيدخلون السوق الحرة لشراء الخبز مما قد يخلق طلبا هائلا يدفع الاسعار الى الارتفاع وقد لا يظل الرغيف بجنيهين بل قد يقفز الى جنيهين ونصف او ثلاثة جنيهات أو أكثر خاصة إذا استغل بعض المنتجين زيادة الطلب .وعندها سيصبح الدعم النقدى مجرد رقم يفقد قيمته مع كل موجة غلاء بينما كان الدعم العينى يوفر للمواطن سلعة مضمونة بسعر ثابت بعيدا عن تقلبات السوق وجشع بعض التجار .
لذلك فإن أى إصلاح حقيقى لمنظومة الدعم يجب أن يكون متدرجا ومدروسا وأن يبدأ بالسلع الآقل حساسية مع الإبقاء على رغيف الخبز ضمن منظومة الدعم العينى فى المرحلة الحالية فالخبز ليس سلعة يمكن المغامرة بها بل صمام أمان أجتماعى وأى خطأ فى التعامل معه قد تكون كلفته باهظة .
إن حماية المال العام هدف نبيل لكن حماية الآمن الغذائى للمواطن لا تقل اهمية, وبين الدعم العينى والدعم النقدى يجب ألا يكون المعيار هو سهولة التطبيق وإنما ضمان ألا ينام طفل مصرى جائعا وألا يتحول رغيف الخبز الى سلعة يعجز محدودو الدخل عن شرائها .فالخبز ليس مجرد رغيف بل هو استقرار مجتمع وأمن دولة وكرامة مواطن
ان اصلاح منظومة الدعم ضرورة لا خلاف عليها لكن الاصلاح الحقيقى لا يكون بالمغامرة برغيف الخبز ولا بتعريض ملايين الآسر لمخاطر تقلبات السوق فالخبز ليس مجرد سلعة تموينية بل هو صمام أمان إجتماعى وأحد ركائز الاستقرار الوطنى واذا كان لابد من تطوير الدعم فليكن ذلك بتدرج وحذر وبعد ضمان حماية محدودى الدخل من أى أثار قد تمس قوتهم اليومى
كاتب وباحث إقتصادى ومحام بالإستئناف العالى ومجلس الدولة









