إذا كنت تتابع الأسواق خلال الفترة الأخيرة، فلا بد أنك لاحظت مدى سرعة تغير المزاج العام. ففي يوم تتصدر التحذيرات من فقاعة الذكاء الاصطناعي العناوين، وفي اليوم التالي تتجه الأنظار إلى نتائج مالية قياسية للشركات.
الحقيقة أن كلا الروايتين تستندان إلى معطيات واقعية، وهو ما يجعل قراءة المشهد الحالي بثقة أمراً أكثر تعقيداً.
وترى نغم حسن، محللة الأسواق لدى eToro، أن أفضل نقطة انطلاق هي التركيز على المؤشرات التي يمكن قياسها، وفي مقدمتها أداء الشركات.
فقد سجلت ميكرون إيرادات بلغت 41.5 مليار دولار خلال الربع الثالث من عام 2026، أي ما يقارب أربعة أضعاف مستوياتها قبل عام، كما ضمنت عقوداً طويلة الأجل بقيمة تقارب 100 مليار دولار كحد أدنى من الإيرادات المستقبلية، إلى جانب 22 مليار دولار من الدفعات المقدمة التي سددها العملاء. وتعكس هذه الاتفاقيات طلباً فعلياً ومستداماً، وليس مجرد تفاؤل مؤقت في الأسواق.
في المقابل، تواصل البنوك المركزية وخبراء المخاطر التحذير من مؤشرات تستحق المتابعة. ففي أحدث تقاريره الاقتصادية العالمية، أشار بنك التسويات الدولية (BIS) إلى وجود تحدٍ هيكلي يتمثل في أن أكبر خمس شركات للحوسبة السحابية العملاقة (Hyperscalers) تتجه لإنفاق أكثر من تريليون دولار أمريكي على استثمارات رأسمالية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال عامي 2025 و2026.
ويوضح التقرير أن وتيرة هذا الإنفاق تجاوزت نمو الأرباح والتدفقات النقدية الحرة، ما دفع بعض الشركات إلى اللجوء لإصدار أدوات دين بهدف توفير تمويل إضافي. كما لفت البنك إلى أن توقعات السوق لنمو أرباح أكبر الشركات على المدى الطويل لا تزال أعلى بكثير من متوسطاتها التاريخية، بل وتتجاوز في كثير من الأحيان معدلات النمو المرتفعة التي حققتها هذه الشركات خلال سنوات نموها السابقة.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح هذه الشركات في سد هذه الفجوة من خلال استمرار الأداء القوي، أم أن الأسواق ستشهد تصحيحاً مؤلماً؟ وحتى الآن، لا يملك أحد إجابة مؤكدة.
وشهد الأسبوع الماضي مثالاً واضحاً على سرعة تغير معنويات المستثمرين. فقد تراجع سهم سوفت بنك بنحو 13%، ما قاد موجة بيع واسعة في أسهم شركات التكنولوجيا الآسيوية، بعدما رفعت آبل ومايكروسوفت أسعار بعض منتجاتهما، في ظل ارتفاع التكاليف المرتبطة بالطلب المتزايد على الرقائق المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وخلال شهر يونيو وحده، فقدت شركات “العظماء السبعة” (Magnificent Seven)، إلى جانب برودكوم وأوراكل، ما يقارب 2.7 تريليون دولار من قيمتها السوقية.
ورغم ذلك، لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل. فما يقارب 63% من أسهم مؤشر S&P 500 لا تزال تتداول فوق متوسطها المتحرك لـ200 يوم، حتى بعد موجة التراجع الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن عمليات البيع لا تزال تتركز بشكل أساسي في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، ولم تمتد بعد إلى السوق ككل.
ولا يعني ذلك أن الأسواق أصبحت بمنأى عن مزيد من التقلبات، لكنه يختلف عن الأنماط التي غالباً ما تسبق موجات هبوط واسعة النطاق.
وفي المقابل، يبدو أن هناك تحولاً تدريجياً في توجهات المستثمرين، مع انتقال جزء من السيولة بعيداً عن أسهم الذكاء الاصطناعي العملاقة التي استحوذت على النصيب الأكبر من الاستثمارات خلال العامين الماضيين، نحو قطاعات مثل البنوك والرعاية الصحية والصناعة، إضافة إلى الشركات ذات القيمة السوقية الأصغر.
وفي نهاية المطاف، قد يكون من الطبيعي أن تتزامن الأرباح القوية مع ارتفاع مستويات الاقتراض داخل النظام المالي. فما شهدناه الأسبوع الماضي لا يحسم ما إذا كانت الأسواق بصدد تكوين فقاعة أم أنها تمر فقط بمرحلة تصحيح طبيعية بعد موجة صعود قوية.
وربما تعكس هذه التحركات ببساطة أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية في قراراتهم الاستثمارية، إلا أن تكوين صورة أوضح عن الاتجاه الحقيقي للأسواق سيحتاج على الأرجح إلى أكثر من أسبوع واحد من التقلبات.
محللة الأسواق لدى eToro










