ظل العم صالح ابراهيم متشبثا متعلقا بالجمهورية حتى اخر نفس في حياته لا بل حتى ما بعد الموت.. كانت روحه معلقة بالجريدة وكانها مربوطة مع المبنى بحبل سري لا تستطيع منه فكاكا لا تغيب عنها ولا تغيب عنه حتى في احلك الظروف.. في مثال بالغ الندرة على الولاء والانتماء الحقيقي ..ابى الاستاذ صالح الا ان يقدم لنا وللاجيال النموذج والادلة الدامغة على الاخلاص الشديد والحب الاوفي لمهنته وصحيفته التى عشقها وعمل بها على مدي اكثر من ستين عاما متصلة..
لذا لم يكن غريبا ان تكون اولى خطواته الى العالم الاخر وقبل ان يوارى الثرى ان يمر جثمانه على الجرنال لتوديع الزملاء ولتكون صلاة الجنازة في البهو الرئيسي للمبنى الكبير صلاة حضرها جمع غفير من الزملاء يتقدمهم السيد رئس مجلس الادارة والسادة رؤساء التحرير للاصدارات المختلفة ومديرو العموم في القطاعات المختلفة من مطابع وتوزيع وادارة والزملاء الصحفيين والعمال والسائقين في لحظات معبرة عن الاخلاص والوفاء والحب الصادق..
على مدى مسيرة العم صالح لم يمنعه عرض ولا مرض من العمل والذهاب الى الجريدة التى خاض غمار العمل فيها في اصعب الاقسام واكثرها مشقة قضى جل عمره في التحقيقات محررا ورئيسا للقسم ثم انتقل الى الديسك المركزي ونائبا لرئيس التحرير ومسئولا عن اصدار العدد في يومين اسبوعيا..
لم يكن يبالي باي شيء في سبيل انجاز مهامه على اكمل وجه دقة ومهنية ومهارة في الاداء وصبر وطول بال..على العمل وعلى القائمين به ابتداء من المحررين الصغار وحتى من هم تحت التمرين..
ارتبطت بالعم صالح على مدى اربعين عاما بالتمام والكمال منذ ان وطأت قدماي الجريدة منتصف الثمانييات كنت في القسم الديني وهو في التحقيقات وكانت الاستراحة بعد انتهاء العمل في القسم الديني مع استاذنا واستاذ الاجيال الراحل عبد اللطيف فايد..كان الاستاذ صالح يصطحبنا في سيارته الخاصة يوميا بلا ملل او ضجر في رحلة العودة يتم توصيل الحاج
عبداللطيف الى ميدان الاسماعيلية في مصر الجديدة وانزل انا عند استاد القاهرة في صلاح سالم في الطريق الى مدينة نصر..
نجح عمنا في ان يرسم لنفسه معالم شخصية متفردة ومتميزة سواء على المستوى المهني او الاخلاقي..فقد كان شخصية مرحة حبوبة يجيد التنكيت والتبكيت حتى على نفسه ..صك لنفسه منهجا خاصا في التعامل مع القيادات حافظ طول الوقت على علاقات ودية وطيبة ومعهم واكتسب ثقتهم بسرعة .. صك لنفسه مجموعة من الافيهات والمصطلحات ظلن خاصة به ويتناقلها الزملاء ويرددونها في المواقف المختلفة معه على سبيل الدعابة او غيره مثل : يا حبيبتسي يامصر يا بنت الحلوة..طبعا بصوت صالح ابراهيم .. والكلاشيه الاشهر في تحية المسئول الكبير في مكتبه : جئنا نهنئ ونبارك وننافق .. وغير ذلك من نوادر ..ينقلك من المساحات الرمادية الى الفرح بسهولة ولا مانع بالعكس فقد كانت انفعالاته حاضره..
نجح ايضا في اقامة علاقات من الود والمحبة مع الزملاء من مختلف الاجيال ولم يحبس نفسه مع جيل الاساتذة في برجهم العاجي احيانا فاكسبته هذه البساطة المزيد من المحبة والتعلق به حتى اخر ايامه.
لم يكن ارتباطه بالعمل ارتباطا وظيفيا او مجرد اداء مهمة بل وصل حد العشق والتفاني معه.. كان العمل طوق نجاة واكسير حياة لا يستغنى عنه ولا يتهاون فيه .. اذكر انه في فترات مرضه كان يصر على الحضور والمشاركة بجدية وفي مرات كان مسئول الديسك يشفق عليه ويعطيه موضوعات او اخبار خفيفة مراعاة لحالته الصحية . فكان يأتي الى شاكيا ومحتجا وبحسب وصفه انا جواهرجي يا مجاهد لا يصح اعمل اخبار خفيفة فكنت اطيب خاطره وانقله الى عالمه المفضل في التنكيت والتبكيت..
كان شديد الغيرة على العمل ويحزنه التراخي والاهمال او سلق الموضوعات او ان يجد تميزا في صحيفة منافسة.. وكم دارت بيننا مساجلات ومناقشات في المهنية بشكل شبه يومي عندما كان يناقشني بجدية في التقرير الذي شرفت باعداده على مدى سنوات عن التقييم والمتابعة اليومية للصحف القومية والحزبية والمقارنات بينها وكان من اهم الموضوعات يوميا مناقشة في مجلس التحرير كنت اعده بلا خطوط حمراء ولا مجاملة لاحد.. قيادي مسئول او محرر وكنت استفيد كثيرا من ملاحظاته المهنية الدقيقة والدبلوماسية ايضا..
رحيل الأستاذ صالح واقرانه يترك فراغا حقيقياً على الساحة الصحفية وليس بين أركان وأعمدة الجمهورية.. خاصة وأن تعويض تلك القيادات لم يعد مسألة هينة بعدما تعرضت له الساحة من تحريف حقيقي وسوء تقدير وحملات ظالمة قادها هاموش هب على المؤسسات بليل وتحت مسميات ما أنزل الله بها سلطة باسم الثورة وباسم التغيير وباسم تجديد القيادات ومنح الفرصة للشباب وكلها شعارات ومقولات حق اريد بها باطل.. ولعل قراءة سريعة ونظرة فاحصة لما جرى بعد الثورة وأواثناءها وما حدث من إجراءات أحدثت زلزالا مربكا على القاعدة الصحفية ..تراجعت المهنية وتصدر انصاف وارباع المهنة والمروجون للافك واللاعبون على كل الحبال..
الحصيلة باختصار ار اختلت المعادلة وحدثت انتكاسات واصيبت العملية برمتها في مقتل ولا أدل على ذلك من الصرخات الجادة المتسائلة عن الإعلام وأحواله ودوره الغائب أو المفقود..
في الاحتفال بعيد الميلاد الثمانين للاستاذ صالح الذي أقامه الزملاء والمحبين وحضره الاستاذ احمد ايوب رئيس التحرير والاستاذ طارق لطفي رئيس مجلس الإدارة وعدد من الزملاء طلبت منهم بشكل واضح وصريح بهذه المناسبة أن يعيدوا الاعتبار للأساتذة وكبار المهنة وأن يكون لهم دور ومكانة داخل ماكينة العمل اليومي والتواجد بين شباب الصحفيين لمنحهم الخبرة والمزيد من الثقة وهي قضية تحتاجها كل المؤسسات الصحفية القومية قبل غيرها .. المؤسسات القومية كما هو معروف كانت الرافد والمعمول الأساسي لكل المشروعات الإعلامية بالخبراء واساطين المهنة ومن على أكتافهم قامت أبرز وأهم المشروعات الصحفية مصريا وعربيا ايضا ..
سافتقد كثيرا حوارات العم صالح على المستوى الانساني والشخصي والمهني ولا اخفيكم وانا اكتب تلك الكلمات لا تزال تصل الى مسامعي دقات عكازه وهو يمر من امامي من الاسانسير ملوحا ومحييا في طريقه الى الديسك او وهو قادم الي مكتبي في استراحة المحارب شبه اليومية الثرية بكل صنوف الفكر والادب وحتى الفكاهة مع الزملاء في النحقيقات والاقسام الاخرى.
رحم الله عمنا واستاذنا صالح رحمة واسعة وجزاه عنا خير الجزاء واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا..
والله المستعان..










