أعادت حرب غزة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري، حيث أدت إلى تراجع مكانة إسرائيل الأمنية والسياسية وبروز الفاعلين من غير الدول، وتصاعد دور إيران وحلفائها، وإعادة تمركز الدول العربية الكبرى كقوى محورية للتهدئة والوساطة، مما عزز من مساعي تنويع التحالفات الإقليمية. ومن بين الظواهر المقلقة للحرب بين إسرائيل وحركة حماس، هو ظاهرة العداء للسامية والعداء للمسلمين التي برزت إلى السطح بوجهها البشع في الأسابيع الماضية، في عواصم عديدة لدول ديموقراطية يفترض أنها تحترم التعددية السياسية والأثنية والدينية،
إن العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة وعدم تلبية مناشدات الدول العربية لوقف إطلاق النار وتقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين سيجعل الدول العربية السنية تعيد حساباتها في التطبيع مع إسرائيل، فضلًا عن رفض فكرة إنشاء تحالف سُني يضم إسرائيل في مواجهة إيران. كما أن الضربة الموجعة التي وجهتها حماس لإسرائيل يوم السابع من أكتوبر 2023، ستدفع دول الخليج وعلى رأسها السعودية لتعزيز علاقاتها مع إيران.
بالنسبة لإسرائيل فإن العدوان الذي تشنه ليس مجرد جولة من القتال مع المقاومة الفلسطينية، بل هي حرب فاصلة ليس فقط ضد حماس بل ضد الشعب الفلسطيني كله، إن لم يكن ضد العرب جميعا، بمعنى أن الصراع بات صراعًا حضاريًا بين العرب واليهود. وتمثل الحرب على غزة نقطة فارقة وفرصة سانحة ربما لن تتكرر أمام إسرائيل لتغيير ملامح الشرق الأوسط وإعادة توازنات القوى الإقليمية عبر فرض نظام إقليمي جديد يقوم على نزع أسلحة جميع حركات الإسلام السياسي وفي مقدمتها حماس والجهاد، وتمكين إسرائيل من لعب دور الوكيل الأمريكي في المنطقة، نظرا لانشغال الولايات المتحدة بملفات أخري وعلى رأسها التصدي لتمدد النفوذ الصيني وإحباط الهجوم الروسي على أوكرانيا.
ومن بينها الولايات المتحدة. خلال التظاهرات العديدة المناوئة لاجتياح غزة التي شهدتها عشرات الجامعات الأميركية، كانت هذه التظاهرات تواجه أحيانا تظاهرات مؤيدة لإسرائيل، وكانت تؤدي أحيانا إلى مناوشات خلقت أجواء متوترة أدت أحيانا إلى تعليق التحصيل العلمي تفادياً للعنف.
وتقوم الشرطة حالياً بالتحقيق في مقتل مواطن يهودي مسّن خلال اشتباك بين تظاهرتين مؤيدة ومناوئة لإسرائيل في كاليفورنيا. تحدث المسؤولون في مكتب التحقيقات الفيدرالي (الأف بي آي)
وفي المنظمات اليهودية عن ارتفاع في عدد التهديدات لليهود بنسبة وصلت إلى حوالي 400 بالمئة في الأسابيع الماضية، وهذا رقم غير مسبوق. وسارع بعض الأميركيين اليهود إلى اقتناء الأسلحة النارية للدفاع عن أنفسهم في مؤشر آخر على حالة التوتر التي خلقتها الحرب في غزة.
أدت المشاعر المعادية للمسلمين خلال بداية الحرب إلى قيام رجل مسنّ مؤيد لإسرائيل بطعن وقتل طفل أميركي من أصل فلسطيني عمره ست سنوات. ولا يكاد يمر يوم دون تقارير تتحدث عن تهديدات أو تحرشات تطال المواطنين اليهود والمسلمين على السواء.
جميع هذه الظواهر والمضاعفات السلبية للحرب من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة مرشحة للتفاقم أكثر إذا استمر القتال لوقت أطول، أو إذا أدى إلى تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية. وهذا يمثل تحديا ملحًا ، خاصة وأنه وفّر لإسرائيل فور بدء القتال الدعم الأخلاقي والسياسي والعسكري غير المشروط تقريبًا، ما ساهم في إيصال غزة وسكانها إلى هذا الوضع الإنساني الكارثي.
منذ انسحاب القوات الأمريكية من العراق والقضاء على تنظيم داعش في سوريا، تراجع التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، مما أدى إلى ترك فراغ بالمنطقة شغلته روسيا والصين. لكن الهجوم الذي نفذته حركة حماس والخسائر غير المسبوقة التي تكبدتها إسرائيل قد غير حسابات واشنطن وجعلها تعاود التدخل من جديد في شؤون الشرق الأوسط، فأرسلت حاملتي طائرات وقوات أخرى لدعم إسرائيل، ووجهت رسائل التهديد لطهران وحزب الله لعدم التدخل في الحرب.
هناك مخاوف لدى الخبراء والمتخصصين سواء من الإسرائيليين والغربيين جراء عدم وجود استراتيجية إسرائيلية واضحة لما بعد انتهاء الحرب والسيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة. وتتمثل تلك المخاوف في نوايا الحكومة اليمينية المتطرفة بزعامة نتنياهو ومشاركة وزراء الصهيونية الدينية، للإبقاء على القطاع تحت السيادة الإسرائيلية وعدم إخضاعه للسلطة الفلسطينية. وبالفعل هناك يمينيون يستعدون من الآن لإعادة الاستيطان اليهودي للقطاع والمسارعة بإعمار مستوطنات جوش قطيف التي أخلاهاإن البعد الأخلاقي لقضية فلسطين يوجب على نصرة القدس وفلسطين أن تستهدف فضح الممارسات الصهيونية بأبعادها العنصرية والإقصائية، وتجريم هذه الممارسات على الصعيد الدولي سياسياً وقانونياً، ليتحقق في خاتمة المطاف نزع المشروعية الدولية عن إسرائيل نزعاً تاماً ونهائياً.. وبغير هذا لا يستقيم تحرير فلسطين بقدسها من التهويد والصهينة، وتمكينها ثانيةً من التعبير عن هويتها المجتمعية العربية وعن ذاتها الحضارية الإسلامية. شارون عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط الأحلذلك يمكن القول إن الأسباب الفلسطينية هي العامل الأول الحاسم في تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية على المستويات المتعددة، فلو كانت الأوضاع الفلسطينية عكس ما هي عليه الآن، لما كان أوسلو، ولكانت الوحدة الوطنية الفلسطينية قائمة، وتم تجاوز الانقسام، والتمسك المطلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، والعمل يجري على قدم وساق لبدء انتفاضة شعبية فلسطينية جديدة، ولما كان هناك أي تنسيق أمني مع إسرائيل.
وفي الأسباب الإقليمية يمكن القول, إن الإرهاصات التي تعج بها أكثر من دولة عربية، والأحداث الداخلية التي تعصف في هذه الأقطار، استحوذت على معظم انتباه أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، هذه الأحداث ساهمت في تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية التي ظلّت لعقود طويلة تحتل المركز الأول في سلّم اهتمامات المواطن العربي.ادية الإسرائيلية.
من كل ما سبق ذكره نخلص إلى القول:
1- إن مسار التسوية قد وصل إلى حائط مسدود وما يحدث لا يتعدى المراوحة بالمكان, وهذا سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى انفجار الوضع سواء كان ذلك على شكل هبات أم انتفاضة شعبيه كاملة.
2- إن مشروع المصالحة بدورة قد وصل إلى نهاياته, لا يمكن تحقيق مصالحة إلا ضمن اتفاق على البرنامج السياسي, وكل ما يحدث لا يتعدى محاولة فاشلة لإدارة الانقسام. بل أن هذا المشروع قد دخل في تعقيدات عربية وإقليمية تنذر بالخطر الشديد على قطاع غزة.
3- إن ما يحدث بالإقليم سيترك أثره بلا شك على مسار القضية الفلسطينية وسيتيح المجال لاصطفافات وتحالفات جديدة وموازين قوى مختلفة.
4- إن واجب الفلسطينيين يحتم عليهم إبقاء جذوة قضيتهم مشتعلة, وعدم انتظار حدوث متغيرات في الوضع الإقليمي لكي يتبينوا موقع خطوتهم القادمة, وهذا يستدعي منهم استمرار المقاومة بكل أشكالها المتاحة, وعدم السماح للعدو بالتقاط الأنفاس أو الاستفادة من الظروف الإقليمية لتصفية القضية الفلسطينية.
5- أن نحقق قيام دولة فلسطينية على أراضي 1967 في ظل سياق المفاوضات وسقف التسوية الحالي قد أصبح مستحيلا, لكن يمكن دحر الاحتلال عبر الاستفادة من حالة الضعف التي يعاني منها العدو, وعبر تصعيد المقاومة الشعبية في الضفة والحفاظ على السلاح والاستعداد للمواجه وتشكيل إدارة وطنية موحدة في غزة. أي عبر اللجوء إلى برنامج نضالي مختلف كلياً عن ما هو سائد حالياً.
6- أغلب الظن أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة عابرة للفصائل, و أن ثمة مخاضا فلسطينيا جديدا لابد وأن يتشكل بعد أن وصلت كل المحاولات لتحقيق تسوية إلى نهاياتها, وبدأت تجربة السلطة الوطنية تعاني من فشل ذريع لا اعتقد أنها ستكون قابله للاستمرار في مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس أن لم يكن قبل ذلك, مما يطرح تحديات أخرى جديدة لا حل لها إلا عبر بناء جبهة وطنية متحدة تكون ساحتها كل فلسطين.
7- ويبدو أن على الشتات الفلسطيني أن يتحمل مسؤوليات شبيهة بتلك التي اضطلع بها في العقود الماضية, أن يساهم بعمق في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني وفي المحافظة على روح وحيوية القضية الفلسطينية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










