بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد
يقدّم الدكتور بسام الخالد في هذا النص مشهدًا إنسانيًا بالغ التأثير، يتجاوز حدود الحكاية العابرة ليصبح إدانة أخلاقية واجتماعية لعالمٍ بات يحتفل بالشعارات أكثر مما يحتفي بالإنسان. فمنذ العنوان، “مشهد من عيد الحب”، يتوقع القارئ نصًا يحتفي بالمحبة والورود، لكنه يفاجأ بصورة نقيضة تمامًا؛ طفل صغير يبيع الورود في يومٍ يُفترض أنه يوم الحب، بينما لا يجد من هذا الحب سوى البرد والتجاهل.
يعتمد النص على المفارقة بوصفها ركيزته الأساسية. فالورود البيضاء، التي ترمز عادة إلى النقاء والسلام والبراءة، تتحول هنا إلى شاهد على الخذلان الإنساني. الطفل نفسه يشبه وردته البيضاء؛ نقيّ القلب، بريء الروح، لكنه موضوع في مكان لا يعترف بالنقاء ولا يكترث للبراءة. ولهذا جاءت العبارة:
“لم يعرفوا أن الورد الأبيض لا قيمة له في هذا الكرنفال الكاذب!”
لتختصر الفكرة المركزية للنص بأكمله؛ إذ يتحول الاحتفال بالحب إلى مناسبة استهلاكية صاخبة، بينما يغيب جوهر الحب الحقيقي المتمثل في الرحمة والرعاية والاهتمام بالضعفاء.
ويتميز السرد ببساطته وهدوئه الظاهري، لكنه يحمل في أعماقه شحنة عاطفية قوية. فالكاتب لا يلجأ إلى المبالغة أو الخطابة المباشرة، بل يترك التفاصيل الصغيرة تؤدي دورها المؤثر. طفل يجلس في البرد، ينتظر مشترٍ لا يأتي، ثم يقدم وردة بيضاء لمن ساعده. هنا تبلغ الإنسانية ذروتها؛ إذ يبدو الطفل، رغم فقره وحاجته، أكثر كرمًا ونبلًا من مجتمع كامل مرّ بجواره دون أن يراه.
ومن أجمل لحظات النص وأكثرها تأثيرًا ذلك المشهد الذي يعيد فيه الراوي الوردة إلى السلة بينما الطفل نائم من شدة البرد. إنها حركة بسيطة ظاهريًا، لكنها محملة بدلالات عميقة؛ وكأن الكاتب يعيد البراءة إلى صاحبها، أو يعترف بعجزه أمام مأساة أكبر من وردة وأكبر من صدقة عابرة.
كما ينجح النص في توسيع دائرته من الحالة الفردية إلى البعد الاجتماعي الأشمل، حين ينتقل من الطفل إلى الحديث عن المؤسسات والجمعيات والخطابات الاحتفالية. وهنا لا يهاجم الكاتب جهة بعينها، بل ينتقد ظاهرة عامة تتمثل في الفجوة بين الشعارات والممارسة، وبين الصور الإعلامية والواقع الإنساني.
أما النهاية فجاءت موفقة ومكثفة:
“لم يدرك هذا الصغير أن الحب والبرد لا يجتمعان، وأن الورد الأبيض – على نقائه – لا يصلح للمناسبات الكاذبة.”
وهي خاتمة تحمل مرارة كبيرة، لأنها لا تتحدث عن الطفل وحده، بل عن عالم فقد القدرة على التمييز بين الحب الحقيقي وطقوسه الشكلية. فالحب الذي لا يدفئ طفلًا يرتجف من البرد، ولا يلتفت إلى معاناته، يبقى مجرد احتفال فارغ من معناه الإنساني.
فنيًا، يتميز النص بلغة سردية رشيقة، وصور رمزية موحية، وقدرة واضحة على استثارة التعاطف دون استدرار مباشر للعاطفة. كما نجح الكاتب في تحويل موقف يومي بسيط إلى سؤال أخلاقي كبير عن معنى الحب في زمن تزداد فيه المظاهر وتتناقص فيه الرحمة.
خلاصة القراءة: ليس “مشهد من عيد الحب” مجرد قصة عن طفل يبيع الورود، بل نص إنساني مؤلم يكشف التناقض بين الاحتفال بالحب وممارسة اللامبالاة، ويذكرنا بأن أجمل وردة ليست تلك التي تُباع في الشوارع، بل تلك التي تنبت في قلبٍ يعرف معنى الرحمة.
النص
مشهد من عيد الحب!
د. بسام الخالد
قالوا له: اليوم عيد الحب.. وعليك أن تخرج إلى الشارع وتبيع الورود لتشارك في مصروف الأسرة.
اشتروا له وروداً بيضاء، كقلبه الأبيض الصغير، وأطلقوه في الشارع .
لم يعرفوا أن الورد الأبيض لا قيمة له في هذا الكرنفال الكاذب!
ساعات.. وابن السنوات الخمس ينتظر أن يبيع محصوله الذي لم يأبه به أحد.. الجميع يمر به دون أن يكترث بوجوده، وحده البرد القارس كان رفيقه في جلسته هذه أمام أحد المحالّ المغلقة في الشارع.
مررتٌ به مصادفة وكدت أتجاوزه كالآخرين، لكن فضولي الصحفي دفعني خطوات إلى الوراء.. توقفت بجانبه فلم يكترث لوجودي.. دسست يدي في جيبي وأخرجت ورقة نقدية وناولته إياها، وقبل أن يستلمها نظر في وجهي مليًاً وكأنه يشكرني ثم قدم لي وردة بيضاء.
شكرته ومشيت وانا ألعن حظي العاثر الذي قادني لرؤية لؤية هذا المشهد المؤثر، وجالت مخيلتي في فضاءات حقوق الطفل ورعاية الطفولة واحتفالات الدجل التي تقيمها المنظمات والجمعيات المتعددة المعنية بالأطفال والتربية من خلال منصات إعلامية همها تسويق مسؤوليها ونشر خطاباتهم وصورهم ثم يتفرجون ألى مواىدهم العامرة.
قضيت أشغالي في المكان وعدت مجدداً فشاهدت الطفل متكوراً على نفسه من شدة البرد وهو يغطّ في سبات عميق، وبهدوء أعدت الوردة إلى السلة التي أمامه ومشيت.
لم يدرك هذا الصغير أن الحب والبرد لا يجتمعان وأن الورد الأبيض- على نقائه- لا يصلح للمناسبات الكاذبة!











