..
أكتب هذا المقال قبل يوم واحد من حدث الافتتاح التاريخي لمبنى القيادة الاستراتيجية الجديد لوزارة الدفاع المصرية (الأوكتاجون).
في فلسفة التحول السياسي، لم يكن الثالث من يوليو عام ٢٠١٣ مجرد إجراءٍ لاقتسام السُّلطة أو القفز عليها؛ بل تجسّد كمنعطفٍ تاريخيٍ فاصل، أُعيدَ فيهِ صياغة العقد الاجتماعي(الدستور)، وتصحيح جذري لمسار الدولة الحديثة لحفظ كيانها من التفكك والانقسام الحاد.
ولقد تحول هذا اليوم إلى مرجعية نقدية دستورية، ومادة خصبة تستدعي التأمل في مفاهيم وطبيعة الدولة، وحدود الشرعية، ومشروعية الثورة الشعبية في استعادة هُوية الوطن.
وفي سياق الفلسفة السياسية الكلاسيكية، واجهت القيادة العسكرية والنخب السياسية في مصر مأزقًا حادًا، تمثل في اصطدام الشرعية الدستورية الإجرائية المتمثلة في صناديق الاقتراع، بالمشروعية الشعبية الثورية المتمثلة في خروج الملايين إلى الشوارع.
إذ لم يَعُد الصندوق كافيًا لمنح حصانةٍ مطلقة، بعد أن عجزت السلطة الحاكمة عن تحقيق السلم الأهلي ومستهدفات العقد الاجتماعي.
وبناءً عليه، جاء قرار الثالث من يوليو ليعيد صياغة المشهد وفقًا لرؤية قوى الشعب؛ إذ يمثل استردادًا للسلطة متى أخفقت السلطة الحاكمة في صَون الأمانة، لتعود بذلك إلى مصدرها الأصلي، وهو الشعب.
ثم تأتي مُعضلة حماية الدولة والضرورة الوجودية من منظور فلسفي واقعي؛ إذ يندرج قرار الثالث من يوليو تحت حالة الاستثناء. فعندما تواجه الدولة خطرًا داهمًا يُهدد تماسكها الاجتماعي وهُويتها الوطنية، تُصبح حماية البقاء الوجودي أولويةً مُقدَّمةً على التمسك بالنصوص القانونية الجامدة.
ومن هذا المنطلق، لم يكن تدخل القوات المسلحة مجرد انحيازٍ لطرفٍ على حساب آخر، بل تجسيدًا حقيقيًا لدور المؤسسة العسكرية الوطنية كضامنٍ أخلاقي لمنع انهيار كيان الدولة ذاته، والحيلولة دون انزلاق المجتمع في الفوضى وغياب القانون أو الحرب الأهلية.
وخلاصة القول:
إنَّ فلسفة التغيير التي تَجَلَّت في الثالث من يوليو ٢٠١٣ قد مَثلت محطة مفصلية في تاريخ الوطن، وأعادت تذكير النخب السياسية بأنَّ الديمقراطية تتجاوز كونها مجرد آلية انتخابية مؤقتة. لقد أثبتت هذه الأحداث أنَّ الديمقراطية مسيرة وطنية مستدامة، تستوجب التوافق المجتمعي، وتغليب المصلحة العامة، وإرساء دعائم الشراكة الوطنية الحقيقية، لتشكل بذلك تصحيحًا جذريًا لمسار العقد الاجتماعي، واستجابةً حاسمة لرفض شعبي قاطع لأي محاولات لاحتكار الهُوِيّة الوطنية أو تكريس الاستقطاب المجتمعي الحاد.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.








