مَثّلت مشاركة منتخب مصر في بطولة كأس العالم، التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، علامةً مُضيئة في سجلٍ حافلٍ ببطولاتٍ عالمية؛ حيث تُعد المشاركة الرابعة لمنتخبنا الوطني عبر تاريخ المونديال، والأبرز من حيث كسر العُقَد التاريخية. وقد حملت هذه المشاركة دلالات بالغة الأهمية على الأصعدة الرياضية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
لقد أثبتت الأحداث التاريخية والرياضية المعاصرة أنَّ المستطيل الأخضر لم يعد مجرد ميدان للمنافسة الرياضية، بل ارتقى ليصبح ركيزة من ركائز القوة الناعمة والدبلوماسية الموازية. فقد تحولت كرة القدم إلى أداة استراتيجية توظفها الدول لتمرير رسائل سياسية مُبطنة، وتصفية حساباتها الجيوسياسية، سعيًا لتحقيق مكاسب تتخطى في تأثيرها الغايات الدبلوماسية التقليدية.
إذ أصبحت ملاعب كرة القدم منابر للقضايا الشعبية العادلة؛ فعندما تنطلق البطولات الكبرى مثل كأس العالم لا تتجه الأنظار إلى التكتيكات الفنية ومهارات اللاعبين فحسب، بل إلى ما تحمله المدرجات والمؤتمرات الصحفية من رسائل تتجاوز اللوائح الرياضية. فالرياضيون والجماهير باتوا يملكون منصات عالمية تفوق في تأثيرها وسائل الإعلام التقليدية.
حيثُ تُعدُّ المُدرَّجات مِقياسًا حقيقيًّا لنبض الشارع، إذ تتحول الهتافات والأعلام إلى أدوات تضامن مع القضايا الإنسانية العادلة، كالقضية الفلسطينية. ولم يعد غريبًا أن يكسر نجوم اللعبة ومدربوها قيود الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) التي تحظر الشعارات السياسية، ليعبروا علنًا عن مواقفهم الأخلاقية؛ مما يضع المؤسسات الرياضية الدولية في مأزقٍ حقيقيٍّ بين تطبيق لوائحها الصارمة، أو احترام حرية التعبير.
بينما تستثمر كثير من الدول المليارات في قطاع الرياضة كأداة رئيسية للقوة الناعمة وغسيل السمعة، إذ تسعى بعض الأنظمة لتحسين صورتها السياسية دوليًّا، مستخدمة استضافة البطولات الضخمة وشراء الأندية العالمية كستار لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وتمنح الانتصارات الرياضية الشعوب شعورًا بالفخر والتوحّد، مما تستغله الأنظمة الحاكمة لتعزيز شرعيتها الداخلية وتخفيف الاحتقان الاجتماعي بين مواطنيها.
وخلاصة القول:
إنَّ محاولة الفصل بين الرياضة والسياسة باتت ضربًا من الخيال ووهمًا مستحيلًا؛ فالمستطيل الأخضر لم يَعد مجرد مساحة للتنافس البدني والمهاري فحسب، بل أصبح ساحةً حيةً ومرآةً جَليةً تعكس صراعات الأمم وتوازنات القوى. فضلًا عن كونه أداةً فاعلةً من أدوات القوة الناعمة التي تُعبِّر عن تطلعات الشعوب في التحرر والعدالة وإثبات الهُوِيَّة، ناهيك عن دوره في توحيد الصفوف وتحقيق التماسك المجتمعي الداخلي للدولة.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.










