القواعد العامة للإثبات هي المبادئ القانونية التي تحدد كيفية إقامة الدليل أمام القضاء للفصل في الحقوق والنزاعات. تكمن الأهمية في إلمام المحامي بهذه القاعدة في ضرورة قيام الخصوم بالتمسك بالدفع بعدم جواز الإثبات إلا وفقًا لنصوص قانون الأثبات.
من أهم التطبيقات العملية التي يجب الانتباه إليها، نص المادة ٦٠ من قانون الإثبات الذي ينص على أنه ( في غير المواد التجارية اذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته على ألف جنيه، أو كان غير محدد القيمة، فلا يجوز شهادة الشهود في إثبات وجوده أو انقضائه مالم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك) في ضوء النص فإنه لا يجوز الإثبات بالبينة أو شهادة الشهود فيما يجاوز الألف جنيه، بل يجب الإثبات بالكتابة إلا أنه يجب على الخصوم أن يتمسكوا أمام المحكمة بالدفع بعدم جواز الإثبات بالبينة، أو بشهادة الشهود، وذلك قبل سماع شهادة الشهود، فإذا سكت عن ذلك عد سكوته تنازلًا عن حقه في الإثبات بالطريق الذي رسمه القانون، ومن ثم فلا يجوز التحدي به لأول مرة أمام محكمة النقض.
إن الإثبات من المسائل التي أفرد المشرع ذكرها في قانون مستقل ينظمها وذلك نظرا لأهميتها القصوى، حيث لا يتخيل نزاع بين الخصوم حول حقا ما دون وسيلة متاحة لهم لإثبات ذلك الحق، وقد تناول قانون البينات الأردني مسائل الإثبات الثلاث وهي ( أولا ) محل الإثبات، ( ثانياً ) عبء الإثبات، ( ثالثاً ) طرق الإثبات، وتعتبر تلك المسائل هي المُشكلة للقواعد الموضوعية لعناصر الإثبات، وهي بذلك تختلف عن القواعد الإجرائية التي تنظم مسألة تقديم الأدلة، وكيفية المنازعة فيها.
والقواعد الموضوعية للإثبات غايتها الوصول إلى حقيقة النزاع في الدعوى القضائية، عن طريق توفير الضمانات اللازمة للوصول إلى تلك الغاية، من حياد القاضي الذي ينظر النزاع إلى أحقية الخصوم في إثبات دعواهم وفقا لمبدأ المجابهة في تقديم الدليل مما يتيح للخصوم الوقوف على جميع الأدلة المقدمة في الدعوى للرد عليها، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى الوصول إلى الغاية المستهدفة وهي إثبات أو نفي الواقعة محل النزاع.
أهم القواعد العامة في نظام الإثبات:
– القاعدة الأولى: البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر.
– القاعدة الثانية: البيّنة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة.
– القاعدة الثالثة: الأدلة المتعارضة لا تلزم المحكمة.
-القاعدة الرابعة: تعيين شكل محدد لإثبات الالتزام يمنع ما عداه.
تعد الأدلة الإلكترونية من الموضوعات المستجدة التي أصبحت من أهم الموضوعات القانونية التي تثير اهتمام الكثيرين في الفقه، لما لها من أهمية كبيرة في تأكيد وجود الحقوق المتنازع عليها. وقد فرضت هذه الأدلة نفسها في عالمنا المعاصر بفضل تطور وسائل الاتصال الناتجة عن الجمع بين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات،
والتي تربط بين الناس في جميع أنحاء العالم وتجعل تبادل المعلومات بسيطاً وسهلاً، وذلك بفضل اختراع وتطور تكنولوجيا المعلومات المتمثلة في الحاسب الآلي الذي يتيح إمكانية الاحتفاظ بالمعلومات واسترجاعها ومعالجتها بسرعة كبيرة.
وفي الواقع أن مجال نظم المعلومات لم يقف عند هذا الحد بل شمل كافة مجالات الحياة كماً وكيفاً، وهو ما أدى إلى تعديل في تلك المفاهيم القانونية السائدة سابقاً، فقد انتقل مفهوم السند من ذلك المفهوم المادي المرتبط بالورق إلى دائرة السند الإلكتروني، ومن التوقيع الخطي إلى التوقيع الإلكتروني
ومن النقود الورقية إلى تحويلات الكترونية تمثل تلك القيمة المالية للنقود من خلال معلومات غير مادية، ومن ثم أضحت نظم المعلومات ترسي مفاهيم جديدة تخالف تلك المبادئ المستقر عليها في تشريعات الإثبات في مختلف أنحاء العالم.
وفي ظل هذه التطورات والمستحدثات على مستوى الاتصالات والأنترنت والتجارة الإلكترونية، فإن دليل الإثبات بالمفهوم التقليدي، لم يعد له الأفضلية أمام جميع هذه الوسائل الإلكترونية.
يقصد بعبء الإثبات إلزام المشرع أحد الخصوم بإقامة الحجة على ما يدعيه وإلا حكم لخصمه، ودور الخصوم يكون تقديم الأدلة وفقا للقواعد التي تنظم تلك المسألة، ثم يأتي دور القاضي بأن يزن ما يُقدم إليه من أدلة الخصوم في حدود ما يجعل له القانون من سلطة، ويقوم دور القاضي على الحياد التام بين المتنازعين، وسوف نتناول ذلك من خلال المبادئ التي تحكم دور القاضي في الإثبات ، وتلك التي تنظم دور الخصوم في الإثبات:
لا يُقصد بمبدأ حياد القاضي ألا يكون متحيزا لطرف من أطراف الخصوم على حساب الطرف الأخر، لأن ذلك أمرا مفترض في القاضي بحكم القواعد التي تحكم وظيفته، ولكن المقصود بحياد القاضي في الإثبات هو أن يقتصر القاضي في تكوين عقيدته على ما يقدمه إليه الخصوم من أدلة لإثبات الوقائع المتنازع عليها، وألا يكون له دور إيجابي في توجيه الخصوم في الدعوى لاستكمال عناصر اقتناعه.
ولا يجوز للقاضي أن يؤسس حكمه على معلومات وأدلة تحصل عليها بصفة شخصية، ذلك لان قضاء القاضي بعلمه الشخصي يعني أنه هو من يقوم بتقديم الدليل، مما يضع القاضي موضع المناقشة من جانب الخصوم، وهو الأمر الذي لا يتفق مع الاحترام الواجب للقضاء،
وقد نصت المادة (3) من قانون البينات على أنه: (ليس لقاض أن يحكم بعلمه الشخصي)، ولكن لا يمتد ذلك المنع إلى علم القاضي بوقائع عامة يفترض علم الكافة بها، مثل علمه بارتفاع أسعار الذهب مثلا، أو علمه بوجود أزمة اقتصادية في البلاد.
ويجب على القاضي أن يبين الأسباب التي بني عليها حكمه، بأن يبين في هذا الحكم الوقائع التي استند إليها في قضاءه، وذلك الأمر يعد من الضمانات الهامة التي تكفل الرقابة على القاضي بشأن تطبيقه للقانون والتزامه بمبدأ الحياد بين الخصوم. ويقصد به حق كل خصم في مواجهته بأدلة الخصم الأخر، لكي يتمكن من تفنيدها والرد عليها، وبدون ذلك الحق فلا وجود لمبدأ التكافؤ بين الخصوم، ولا محل للوصول إلى حقيقة النزاع، حيث أن القول بخلاف ذلك يتيح الفرصة للخصم بتقديم دليل غير صحيح ليؤيد به ادعاءاته، فيحكم القاضي استنادا إليه، وذلك في غفلة من الخصم الأخر الذي لم يتاح له فرصة الاطلاع على هذا الدليل ومناقشته.
وتلك هي القاعدة العامة في الإثبات حيث لا يجوز نقض الدليل الكتابي إلا بدليل كتابي أخر مماثل له وذلك أيا كانت القيمة التي يشملها هذا الدليل حتى ولو كانت أقل من النصاب الخاص بالإثبات بالكتابة، وهذا ما نصت عليه المادة (29/1) من قانون البينات بقولها: “لا يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب لا تزيد قيمته على مائة دينار: فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي”.
وهذه القاعدة تقتضيها المساواة بين الخصوم في الإثبات، بحيث أنه إذا أجازت المحكمة لأحد الخصوم إثبات واقعة ما أو تصرفا قانونيا بشهادة الشهود، فيكون للخصم الأخر درء ذلك الدليل بذات الطريقة التي استعملها خصمه، كأن تجيز المحكمة لأحد الخصوم إثبات دين تتجاوز قيمته المائة دينار لاعتبارات مادية أو أدبية ارتأتها، فلا يجوز منع الخصم الأخر من دفع ذلك عن طريق شهادة الشهود بالقول أن المانع كان يخص الخصم الأول فقط، بل يجب أن يسمح له بدرء ذلك الدليل المستمد من شهادة الشهود بذات الطريقة.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










