(من كتابي: دروس من السيرة)
إنَّ طرح سؤالٍ من قبيل: “هل فشل الأنبياء السابقون حتى أرسل الله سيدنا محمدًا؟” يُعدّ من الشبهات الفكرية والزلل العقدي الذي ينشأ عادةً عن الفهم القاصر لطبيعة الوظيفة الرسالية، والخلط بين “أداء المنهج والواجب الإلهي” وبين “استجابة الناس وهدايتهم”. فالقول بـ “فشل” أي نبيّ أو رسول هو قولٌ باطلٌ شرعاً وعقلاً، ويتعارض تماماً مع المنهج الإسلامي المستقر في أصول العقيدة، وما استعرضه العلماء والمفكرون.
أولاً: أداء المنهج لا كثرة الأتباع هو معيار النجاح
إن وظيفة الأنبياء والرسل محددة إلهياً بإبلاغ الرسالة وإقامة الحجة على الخلق، وليس إكراه الناس على الإيمان أو إقحامهم فيه. قال الله تعالى:
﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: 99]
وقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: 35].
فمتى ما بلّغ النبي رسالة ربه كاملة غير منقوصة، فقد حقق النجاح المطلق والغاية التي أُرسل من أجلها، بغض النظر عن عدد من آمن به أو كفر.
ويؤكد هذا المعنى النبوي الشريف ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال:
«عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ…» [رواه البخاري ومسلم].
إن النبي الذي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد لم يفشل مطلقاً؛ بل أدّى أمانته كاملةً ونجح في مهمته، وإنما الخسران والإخفاق كانا من نصيب قومه الذين استكبروا وعاندوا الحق. فالقلوب بيد الله وحده، وهو القائل لنبيه الخاتم:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
وفي هذا السياق، يقرر الإمام ابن حزم الأندلسي في «الملل والنحل» أن أفعال الأنبياء معصومة عن الفشل؛ لأن التكليف الإلهي يدور مدار البلاغ لا مدار النتيجة، وأن استجابة الأقوام ليست شرطاً في صحة الرسالة أو كمال أداء النبي.
ثانياً: شواهد واستدلالات رؤيتنا في كتاب “دروس من السيرة”
نبيّن في كتابنا “دروس من السيرة” حقيقة التكامل والارتباط العضوي بين البعثة المحمدية ورسالات الأنبياء السابقين عليهم السلام، عبر شواهد وسنن إلهية جليّة:
- سنة التدرج والتكامل لا الإلغاء والتصحيح
لم يُبعث سيدنا محمد ﷺ لأن من قبله “فشلوا” -حاشاهم- بل لأن البشرية عبر تاريخها الطويل وصلت إلى مرحلة الرشد العقلي والاجتماعي التي تؤهلها لرسالة عامة وخالدة. وقد ضرب النبي ﷺ أروع مثل للتكامل بين الرسل فقال:
«إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ… فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ» [رواه البخاري].
فالأنبياء السابقون هم الذين أقاموا أساس هذا البيت وشيدوا جدرانه بنجاح، وجاء محمد ﷺ ليتوج هذا الصرح ويكمله.
وفي هذا الملمح يوضح الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير» أن الشرائع السابقة كانت تندرج بالبشرية في سلم الفطرة والتربية، حتى إذا تهيأ العقل البشري للاستقلال والعموم أُنزلت الشريعة الخاتمة، فكل شريعة أدت دورها الكامل في مرحلتها.
- الخصوصية المرحلية مقابل العالمية الخالدة
الأنبياء السابقون أُرسلوا لأقوامهم خاصة وفي أزمنة محددة، كما قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]
وكان دورهم أداء رسالة إلهية مرحلية تؤدي غايتها المناسبة لزمانها ومكانها. أما رسالة سيدنا محمد ﷺ فجاءت عامة وخاتمة للبشرية جمعاء إلى قيام الساعة:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28].
ويرى المفكر العقاد أن خصوصية الرسالات القديمة لم تكن نقصاً فيها، بل كانت مراعاةً للبيئة والجغرافيا والأطوار التاريخية للأنبياء والمخاطَبين. - سنة الابتلاء ومدافعة الحق والباطل
نؤكد في كتابنا “دروس من السيرة” أن ما جرى لبعض الأنبياء من تكذيب أو إيذاء أو قتل من قِبل أقوامهم لم يكن دليلاً على ضعف دعوتهم أو فشل منهجهم، بل هو تطبيق أصيل لـ سُنّة الابتلاء ومدافعة الحق للباطل؛ ليكونوا قدوة للمصلحين والدعاة في كل عصر في الصبر والثبات والتضحية.
يقول الإمام ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد»:
“لو كانت النصرة بالظفر الدنيوي المادي وحده هي معيار النجاح، لما سُمي صبر الأنبياء وثباتهم على الشهادة نصرة، ولكن النصرة الحقيقية هي ثبات المبدأ وإقامة الحجة على الخلق”
خاتماً:
إن بعثة سيدنا محمد ﷺ لم تكن علاجاً لـ “فشل” سابق، بل جاءت تتويجاً واكتمالاً للبناء الإيماني الذي أسسه إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً. فالرسل كلهم قد أدّوا أماناتهم بنجاح واقتدار، وبلغوا رسالات ربهم، لتبقى الشريعة الخاتمة مكملة ومتممة لهذا الصرح الإيماني المبارك عبر التاريخ.









