لطالما كان لديّ شغف بالمعرفة والبحث، ووعيٌ بأهمية تطوير أفكاري باستمرار. لكن الأهم أنني نهلت من شغف والدي وخبرته؛ فقد تتلمذ على يد نخبة من كبار المتخصصين في مجال التعليم ونظرياته.
وأنا أيضًا أواصل التعلّم على يد أساتذة وخبراء أقدّر علمهم وتجاربهم، مدركةً أن المطلوب ليس فقط امتلاك المعرفة النظرية، بل أن نعيشها ونحوّلها إلى ممارسة من خلال توجيه الخبراء.
ومنذ طفولتي، زرع والدي فيّ حب العلم والبحث، وكان يشجّعني على المشاركة في مسابقات الإبداع والثقافة، ويحفّزني دائمًا على التعلّم وتطوير أفكاري، حتى أصبح طلب المعرفة جزءًا أصيلًا من شخصيتي.
ومن النماذج التي ألهمتني وتأثرت بها تجربة الدكتورة جوديث بيك، التي واصلت تطوير الإرث العلمي لوالدها الدكتور آرون بيك، مؤسس العلاج المعرفي السلوكي. لم أكن أنظر إلى هذه التجربة بوصفها امتدادًا لشخص بعينه، بل بوصفها رسالة تؤكد أن العلم يمكن أن يعبر الأجيال، وأن أجمل ما يورّثه الآباء لأبنائهم ليس المال، بل شغف المعرفة، وأمانة البحث، وحب التعلّم.
ولذلك أطمح إلى أن أواصل المسيرة العلمية التي بدأها والدي، وأن أبني على ما زرعه فيّ من حب للعلم، برؤيتي ورسالة أؤمن بها.
هذه التجربة جعلتني أقدّر والدي وأساليب أساتذتي بصورة أعمق، ورسّخت لديّ وعيًا مختلفًا يدعم رسالتي في التكيّف والالتزام؛ لأن التعلّم الحقيقي هو أن نستلهم من حكمة الآخرين ما يوسّع مداركنا، ويشكّل نظرتنا إلى الحياة، ويقودنا إلى النمو المستمر.
المتعلّم الجيد يصبح معلّمًا جيدًا.
وكنت أثناء بحثي في مجال نظرية التعلّم المبني على الدماغ قد طلبت من والدي ما يفيدني في هذا المجال، فسلّمني دفتره الذي كان يدوّن فيه ملاحظاته عندما كان طالبًا في مرحلة الدكتوراه، إلى جانب مجموعة من أبحاثه المحكمة المنشورة في مجلات علمية تابعة لجامعات عربية.
لم تكن تلك الأوراق بالنسبة إليّ مجرد مراجع علمية، بل كانت نافذة أطللت منها على رحلة طويلة من الاجتهاد والبحث والإخلاص للعلم. فازددت تقديرًا لوالدي، وإيمانًا بأن أثر المعلّم الحقيقي يبقى حيًّا فيمن يتعلّم منه.
إلى والدي، وإلى كل معلّم وأستاذ ترك أثرًا في مسيرتي، وإلى كل من منحني معرفةً، أو أثار في داخلي سؤالًا، أو فتح أمامي أفقًا جديدًا…
الباحثة والكاتبة الإبداعية










