كان بيتتا الكبير ينقسم إلى قطعتين كبيرتين عند بدء إنشائه أوائل خمسينيات القرن الماضي ، قطعة بها عدة حُجرات للسُكني ، والقطعة الأخري بانوراما متنوعة من أشجار الجوافة التي تتخللها زراعات سريعة للجرجير والخس ، وفي ركن جانبي بعيد يعلو الفرن البلدي بارتفاع نصف رجل ، وحوش تمرح فيه كل أشكال الطيور من كل الأعمار والأجيال !!.
وكان الفرن لايكف عن الاشتعال يوماً واحداً ، إما بيد أمي ، أو بيد واحدة من جاراتها اللاتي يأتين للخبيز أو شويّ السمك أو الذرة أو البطاطا ، ولايفوتهن ترك ماتيسر مما أنضج الفرن لنا عند مغادرتهن !!.
ذات صباح مَشهود ، جلست صديقة لأمي معها ، بعدما دست في جوف الفرن ( طاجن المعمر ) الذي تفوح منه رائحة السمن البلدي والقشدة ، إنشغلتا في حديث يبدو أنه خطير ، لابد أنه كان حول الأرنبة التي وضعت من الصِغار عشرة ، أو الروميّة الراقدة علي البيض ، أو دكر البط الذي لم يعد صالحاً لأداء مَهامه القتالية لبطاتنا وبطات الجيران أيضاً !!.
واندمجت أمي في الحوار حد السرحان مع جارتها ، بينما كانت النار تغادر فوهة الفرن وتزحف ناحية كومة القش المُلقاة أمامه ، وفي غمضة عين كانت النيران قد اشتبكت مع محتويات سطح البيت ، وصرخت النسوة في الخارج : ( حريقة ياولااااد ) !!.
وبنفس سرعة اندفاع الحريق ، كان تجمع الحشود من أهالي القرية من أطرافها الأربعة ، الفتيات يملأن الطسوت من الترعة المُحاذية للبيت ، والشباب يقاومون تقدم ألسنة اللهب بأجسادهم في جسارة ، بينما الشيوخ يصرخون في الجميع لتحميسهم وحثهم ، وإبداء المشورة لهم ، ورسم خطط الإطفاء مثلما يفعل مخرجو السينما !!.
ومن طرائف المَشهد البديع ، لم يَحلُ لواحدٍ من الشَوّارة الكِبار أن يُشعل سيجارته اللفّ ، إلا من حَلق الشباك المتوهج ، في برود يُحسد عليه !!.
وفي غضون دقائق معدودة كانت النار قد انحسرت ، وخمد أوارها إلا من بصيص دخان يتصاعد يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وقد انصرف الجميع كأن شيئاً لم يكن !!.
في الأسبوع الفائت ، اشتعلت النيران في أحد المصانع في المنطقة الصناعية في مدينة جمصة ، المُقابلة لجامعة الدلتا ، هرعتُ أنا الي هناك ، فإذا بالعشرات يتحلقون حول المصنع ، وفي يد كل منهم هاتف محمول يُصوّر الحريق ، وسيارات المطافئ تجاهد اندفاع النيران بقوة ، حتي أتي الحريق علي غالبية محتويات المصنع ، ومات عاملان حرقاً ، والناس مشغولة بتصوير الحادثة !!.
تذكرت حريق فرن أمي ، فأدركت ساعتها ، أن هذا هو فرق الأزمنة ، وفرق أخلاق الناس أيضا !!.










