في دهاليز أحدي الهيئات الحكومية ، حيث تتكدس الملفات فوق الرفوف وتكسوها الأتربة ، أُعلن عن شغل وظيفة شاغرة بمسمى “كاتب أرشيف مبتدئ” بالدرجة السادسة . لم يتقدم لشغل الوظيفة سوى “المهندس أحمد”، شاب طموح يحمل الماجستير في الهندسة الإدارية ، ضاقت به سبل الحياة فقبل بالوظيفة مرغماً ، لعله يجد ثغرة لنفاد كفاءته نحو الأفق .
سرعان ما اصطدم أحمد بالواقع ، حيث تعرف على “وليد”، الموظف الذي لا يفقه شيئاً في الميكنة أو التخطيط ، لكنه يمتلك موهبة إستثنائية في مجاملة الرؤساء وقضاء خدماتهم الشخصية . أكتشف أحمد أن وليد يتقاضى راتب “خبير تخطيط أول” بالدرجة العالية ، محاطاً بمكافآت اللجان والبدلات الإستثنائية ، بينما يُكلف أحمد خلف الأبواب المغلقة بصياغة التقارير الهندسية المعقدة وحل الاختناقات الفنية المستعصية . وفي النهاية كان وليد يمهُر تلك التقارير بتوقيعه العريض ليحصد الثناء والترقيات ، بينما يكتفي أحمد بفتات مرتب كاتب الأرشيف .
عندما تجرأ أحمد واعترض ، واجهه “الأستاذ أبو السعود ” رئيس قسم الموارد البشرية ، العراب المخضرم للبيروقراطية ، قائلاً بتشفي وابتسامة باردة ، يا بني الأوراق هنا هي التي تتكلم ، لا المهارات .
لم يستسلم أحمد ورفع شكوى رسمية مدعمة بالأدلة إلى مدير الهيئة ، أحيلت بدورها إلى “اللجنة العليا لإصلاح الجهاز الإداري”. وفي يوم الجلسة ، وُضعت الحقائق على الطاولة ،
قدم وليد ملفه المدعوم بتوصيات قديمة ، وأختام حية ، ومحاضر تقييم مزورة المواقف ، تؤكد رسمياً أنه “خبير تخطيط رفيع المستوى”. وقدم أحمد أوراقه ، فكانت العقود وشهادة التعيين المعتمدة تشهد بكل قاطعية أنه لا يتعدى “كاتب أرشيف مبتدئ”.
أصدرت اللجنة قرارها الحاسم ، رفض الشكوى لعدم الصحة واستمرار الوضع على ما هو عليه ، فالأوراق تُثبت أن وليد خبير ، وأحمد كاتب أرشيف .
عقب الجلسة ، وقف الأستاذ أبو السعود يتأمل أحمد مبتسماً بنصر ، وسأله بتهكم ، ألن تطعن في القرار أمام النيابة الإدارية ؟
رد أحمد بابتسامة باهتة ونبرة ملؤها السخرية ،
كيف أطعن في قرار لجنة خبراء الإصلاح الإداري ، وهم في الحقيقة مجموعة من الفاسدين والعاجزين ، ولكن كل أوراقهم الرسمية والمحاضر المعتمدة تقول إنهم خبراء إصلاح ؟
ثم صمت أحمد لبرهة ، وانحنى ليلتقط حقيبته ، ورد بنبرة هادئة أربكت ابو السعود ، لكنني يا أستاذ أبو السعود ، ككاتب أرشيف مبتدئ ، أدرك شيئاً تجهلونه جميعاً… الوثائق التي يصنعها الفاسدون لتغطية فسادهم ، هي ذاتها الوثائق التي حفظتها في الأرشيف المركزي تحت تبويب ‘سري للغاية’. والأوراق التي تتكلم اليوم في مكاتبكم ، ستصرخ غداً في أروقة أخرى… فقد انتهيت للتو من إرسال النسخ المرقمنة والأختام الأصلية إلى هيئة الرقابة الإدارية .
غادر أحمد بخطوات ثابتة ، تاركاً أبو السعود شاحب الوجه ، يتطلع بذعر إلى آلاف الملفات المتكدسة حوله ، والتي تحولت في لحظة من حصن يحميه إلى قنبلة موقوتة تُوشك أن تتفجر .










