لم أتخيل أن “كشف أسنان” يوجعني لهذا الحد!
أعترف بأنه وجع ملهم، فلم يكن إحساسي حينها بالوخز فحسب، وإنما هو صحوة روح وإعادة نظر في تفاصيل تتألم بداخلي منذ زمن بعيد، والمؤسف أنني أهملتها ولم أكترث لعذاب أضاع مني أجمل أيام حياتي.
بدأ الأمر حين تغافلت عن وجع ضرسي لوقت طويل، تطورت الأزمة خلاله من نغزات عابرة إلى تسوس عميق جعلني عاجزة عن المضغ أو حتى الضغط عليه ولو بالخطأ.
لطالما هربت من الحقيقة وقلت: “عادي، مفيش حاجة”، ومن ثم ألتهم صينية “مكرونة بالبشاميل” وكأن شيئًا لم يكن.
كنت أواجه الألم بالمسكنات والمضمضة والإنكار، وربما الخوف من “شكة” حقنة البنج وملل الانتظار في عيادة الأسنان هي الأسباب الجوهرية التي منعتني من خطوة العلاج، وها أنا أدفع الثمن في النهاية.. ولكن، رُب ضارة نافعة.
لقد نضجت الآن بما يكفي، فهمت أن الألم في ذلك الوقت كان إشارة للتغيير، ليس مجرد كشف ومضادات حيوية محسوبة بالدقيقة، وإنما المعنى أكبر من روشتة واستشارة.. المعنى يكمن في روحي المتألمة.
مرت أيام وأنا أشكو من وجع مميت في النصف الأيمن من وجهي، فقد تشعبت المعاناة بين الضروس والأسنان حتى فقدت القدرة على العيش بهدوء، وبعد محاولات جدية للهرب، استسلمت.. لا مفر من الحقنة يا نوارة!
وبالفعل، حجزت موعد المعركة في تمام الثامنة مساءً، وبدأت في تنفيذ المهمة نحو عيادة الدكتور الذي أعرفه وتعرفه أسناني من قبل في مواجهات مصيرية مثلها، فلم تكن حقنة البنج غريبة عني، لقد عشت لحظات تشبه ذلك اليوم حين خلعت ضرسي المكسور منذ عدة سنوات، ولذلك، فإن الخطوة مألوفة نوعًا ما، ولكن الخوف جعلها مجهولة وزاد من ألمي أكثر!
انتظرت دوري في قائمة الكشف، كلهن أمهات يتوجعن من ضرس العقل أو لثة ملتهبة، ورغم ذلك يصرخن في أطفالهن بعين تطق شرار: “اقعدووا، بلاش لعب عيال”.
وأما أنا، فكانت صرخة روحي أعلى من أحبالهن الصوتية الممزقة من فرط المسؤوليات، وعقلي يقظ، لم يسكت لحظة واحدة ويرحمني من أفكار لا حصر لها، ومع ذلك مطلوب مني التركيز مع صوت الممرضة فلا يضيع اسمي في قائمة طويلة عريضة ويضيع معه معنى حاربت بكل ما أملك من أجله..
ماذا عن تسوس روحي؟!
حاولت بكل طاقتي إسكات صوت عقلي في موقف لا يحتمل دوشة وتوتر: “مش وقته خالص، نتفلسف بعدين”.
ولكنه رفض السكوت واستمر في تساؤلاته التي لم أتوقعها في مكان يختنق بالمرضى والصراخ ورائحة الكلور النفاذة.
“تعالي يا نورا”.
قالتها الممرضة أخيرًا بعد نصف ساعة من وجع الضرس ووجع الروح أيضًا، اعتبرت النداء هدنة من عقلي الذي لم يكف عن الضجيج باستفهاماته الوجودية في وضع لا أُحسد عليه، وبمجرد الدخول لأرض المواجهة سألني من جديد بصوت يشتاط غضبًا: جميل، هُنا نتخلص من تسوس الضرس، فماذا عن تسوس الروح؟؟؟
“محتاجة حشو عصب! بنج وعشر دقايق ونبدأ.. جاهزة؟”.
لم أكن خائفة تلك اللحظة، تبخر الرعب في غمضة عين، ربما لأني على أول طريق العلاج وبعد ساعة نقتلع الألم من الجذور، آه، كم كنت بحاجة للخلاص من تلك الأوجاع التي أوهمت نفسي كثيرًا أني أستطيع تحملها للأبد، ولكن الأبد هذا لم يكن سوى بضعة أشهر ومن بعدها انهارت صلابتي!
كانت مرحلة فاصلة في حياتي، أدركت فيها بأن الوهم نصف الداء، والشجاعة هي كل الدواء.
تجمدت شفتاي رويدًا رويدًا، بدأ المخدر في عمله، وهو أجمل شعور بالنسبة لروح يفتك بها المرض، أن يخفت الأنين بالتدريج، حتى يتلاشى تمامًا، وليفعل الدكتور ما يشاء، المهم أن أخرج من عيادته مرفوعة الرأس منتصرة على الخراب الذي أصاب ضرسي وسلب مني لذة الأكل والنوم والضحك من القلب.
ولكن مهلاً، فإن عقلي لم يأخذ حقنة بنج..
وتسوس روحي؟!
هل أتركه يدمرني هكذا دون النطق بكلمة؟!
يبدو أنني بحاجة إلى تنظيف فوري لجذور إنسانيتي!
نظرت لنفسي وقتها نظرة تأمل وحيرة..
أنا هُنا، ألبس فستاني الربيعي، أضع أحمر شفاه لامع، وأتمايل بين الخلق بكامل أناقتي، لكنها نظرة سطحية جدًا.. فمن يعلم أن هذه الشابة الرقيقة تحمل في ضرسها تسوس يحارب العصب أساسًا!
صدقت يا عقلي، فكم أخفيت وجع روحي بمظهر مثالي لا تشوبه شائبة!
كل الأمور تسير على ما يرام من الخارج فقط، أما الداخل، فهو ينزف بغزارة ولا يشعر به أي إنسان، وربما هي أزمة الكثير منا.. نهتم بما يراه الناس من ملامح زائلة، وما خفي هو السر!
إنها التراكمات يا عزيزي، هي “سوسة” الروح بالفعل، تبدأ صغيرة ولا تؤلمنا في أول الهجوم، حتى تكبر، وتكبر، وتسيطر على أرواحنا من الأعماق، فنشعر حينها أننا في مرحلة خطرة، ولكن بعد فوات الأوان.. لقد وقعنا في الفخ وبحق!
نحاول أن ننجو منها بمسكنات مؤقتة، نهرب من أثر الوجع ونوهم أنفسنا أننا بخير، نقولها بقوة مزيفة: وماذا يعني؟ إنها مجرد نصف حياة لم تتخلص الذاكرة منها، ليس أكثر!
وهي أصل المشكلة، فنحن لم نتحرر من صورة الماضي، وظل يرافقنا في حاضرنا كما لو أنه يومنا الذي نحياه!
إنها وببساطة بقايا عالقة بالروح تسيطر على إنسانيتنا، ولعل السؤال الأهم الآن.. حين يتفاقم الأمر وتصل البقايا لمرحلة الهلاك، من يداوينا؟!
“أشوفك بعد يومين نكمل تاني جلسة”.
قالها الدكتور بعد زمن بعمري كله، لمست فيه جروحي الغائرة التي لم تلتئم بعد، وصناديق محطمة بها “كراكيب” كان لا بد من إحراقها في الحال.. وبصراحة، هي المرة الأولى التي أدفع فيها ثمن الكشف وأنا أبتسم ولا أحمل هموم المصاريف والمشاوير.
دكتور شاطر، أنعش ضرسي من بعد الاحتضار، وألهمني بالعلاج السليم لروحي أيضًا.
لقد كانت زيارة طبية بمثابة النجاة، وهي ليست جلسة علاجية فحسب، بل انتصار معنوي على شيء أكثر فتكًا من نقطة سوداء هاجمت أسناني بعد قطعة حلوى، إنها رحلة الوعي والإفاقة، أن أغوص للداخل فأكتشف الضرر الذي أصابني بفعل إهمالي لنفسي، ويبدو أن الوقت قد حان لمحاربة هذا التسوس الإنساني.
أحسست بالنصر، نعم، مع كل لحظة تمر في عيادة الأسنان كنت أشعر بالتحسن والانسلاخ من نفسي القديمة، وحتى الحرية وقتها لها طعم لذيذ، أجمل من مرارة القيود التي سجنتني في زمن مضى.
لقد أنقذني الدكتور من مأساة لن أحتملها، فإن خسارة الخلع أصعب من حقنة وجلستين تنظيف، وأما عن خسارة نفسي، فهي أصعب من أي خسارة أخرى!
فهمت اليوم أن غسيل الأسنان كل ليلة هو أمر لا نقاش فيه، فلم تكن مزحة حين قالوا لنا في الصغر: “اغسل سنانك قبل ما تنام وإلا هتجري السوسة وراك!”، كانوا على حق، وأنا الآن كبرت وفهمت ولا أنتظر سماعها من أحد، صرت أراقب تصرفاتي عن قرب وأقولها لنفسي كل يوم، وحين تمر ليلة دون أن أنظف أسناني تطاردني “أمنا الغولة” في الأحلام!
لقد وجدت متعة مختلفة في تنظيف ضروسي من بعد “رمرمة” اليوم، وروحي كذلك، عاهدتها أن أنظفها من بقايا الواقع، من كل الكلمات السامة والتراكمات والمواقف التي علقت بداخلي وحاربتني بشراسة، أقسمت لها بأن أحميها من السراب ومن أي تلوث دنيوي يضعفها ويطيح بها بمرور الوقت، فلا تصيبها “سوسة” ولا أضطر لحقنة بنج جديدة.
باختصار، إن المعركة بداخلنا تستحق أن نحارب فيها بأكثر من فرشة ومعجون.










