في تاريخ الأمم العظيمة، لا تُقاس الإرادة بلحظة انتصار واحدة تتوقف عندها عقارب الزمن، بل بقدرتها على تحويل شعلة النصر العسكري إلى طاقة بناء سرمدية تُعيد تشكيل وجه الحياة. وكما كانت ست ساعات من نهار السادس من أكتوبر عام 1973 نقطة تحول حاسمة أسقطت خط بارليف وكسرت أسطورة العجز، فإن مصر الحديثة تخوض اليوم ملحمة عبور جديدة لا تقل جسارة؛ عبوراً من ضيق الوادي القديم إلى اتساع المستقبل، ومن محاصرة التحديات إلى صياغة الجمهورية الجديدة.
إن “روح أكتوبر” ليست مجرد ذكريات تُحفظ في كتب التاريخ، بل هي عقيدة عمل ومحرك استراتيجي يخوض به الشعب المصري والأجهزة القومية معركة البناء الشاملة. فإذا كان آباؤنا قد خاضوا حرب التحرير بالدم والحديد لترسيم حدود السيادة، فإن أبناء مصر يخوضون اليوم معركة التعمير والتنمية بالأرقام والدراسات والعمل الدؤوب لترسيم آفاق الكرامة والازدهار.
سيناء: من ساحة مواجهة إلى قلعة للتنمية المستدامة
إن الدرس الأكبر الذي استوعبته مصر بعد استرداد أرض سيناء يكمن في أن التعمير هو خط الدفاع الأول والأعتى عن الأمن القومي. لقد ظلت سيناء لعقود طويلة جغرافيا شبه معزولة، مما جعلها مطمعاً للأعداء ومسرحاً للتحديات الأمنية. ولذلك، كان قرار الدولة المصرية جازماً بضخ استثمارات غير مسبوقة لتحويل شبه جزيرة سيناء من صحراء قاحلة وخط مواجهة إلى شريان حيوي متصل بالدلتا والوادي.
تجلت هذه الرؤية الاستراتيجية في تخصيص ضخم يتجاوز 700 مليار جنيه مصري للأنشطة التنموية والبنية التحتية في سيناء ومدن القناة خلال السنوات الأخيرة:
- الأنفاق والربط اللوجستي: تم إنجاز 5 أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس (أنفاق الإسماعيلية وبورسعيد والسويس) ربطت سيناء بقلب الوطن في دقائق معدودة، بدلاً من ساعات الانتظار الطويلة على المعديات القديمة، لتقضي تماماً على عزلة شرق القناة.
- الاستصلاح الزراعي والأمن الغذائي: عبر مشروع “سحارة سرابيوم” ومشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي في محطة “بحر البقر” (التي تُعد الأكبر عالمياً بإنتاج 5.6 مليون متر مكعب يومياً)، استطاعت مصر البدء في استصلاح وري أكثر من 450 ألف فدان في شمال ووسط سيناء، لتحول الرمال الصفراء إلى سلال غذاء خضراء تنبض بالحياة.
- المدن الجديدة والموانئ: تأسست مدن جديدة على أحدث طراز مثل مدينة الإسماعيلية الجديدة ومدينة رفح الجديدة والإعادة الشاملة لتطوير بورسعيد والسلام، إلى جانب ضخ استثمارات هائلة لتطوير ميناء العريش وميناء شرق بورسعيد المفضل عالمياً، لترسيخ سيناء كمركز لوجستي وصناعي دولي.
ثورة الشرايين: الشبكة القومية للطرق والعمق الاستراتيجي
لا يمكن لأمة أن تبني اقتصاداً ينافس عالمياً دون شرايين حركة قوية وكفء. لقد عانت مصر لسنوات طويلة من تآكل البنية التحتية واختناق المحاور المرورية التي كانت تكلف الاقتصاد القومي مليارات الدولارات سنوياً جراء المحروقات الهادرة والوقت الضائع.
من هنا انطلقت الشبكة القومية للطرق، والتي تمثل إحدى أكبر الملاحم الهندسية في تاريخ الشرق الأوسط:
• تم تشييد وتطوير أكثر من 7,000 كيلومتر من الطرق السريعة والدائرية والدولية، لترتفع شبكة الطرق الرئيسية في مصر إلى أكثر من 30 ألف كيلومتر.
• ارتفع ترتيب مصر في مؤشر جودة الطرق العالمي وفقاً للتقرير الصادر عن المدى التنافسي الدولي من المركز 118 إلى المركز 28 عالمياً، وهو قفزة تاريخية غير مسبوقة في زمن قياسي.
• تم إنشاء أضخم مشروع للقطار الكهربائي السريع والمونوريل بشبكة تمتد لـ 2,000 كيلومتر لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وربط الموانئ البحرية والمناطق الصناعية بمناطق الإنتاج والتعمير، مما يعزز موقع مصر كحلقة وصل إقليمية في سلاسل الإمداد العالمية.
إن هذه المحاور لم تكن مجرد أسفلت وخرسانة، بل هي محاور تنمية فتحت مغاليق الصحراء، وربطت مجتمعات العمران الجديد بالموانئ والمصانع، ووفرت ملايين فرص العمل لأبناء مصر.
ثورة الفأس الحديثة: الدلتا الجديدة واستصلاح الصحراء
في ظل التحديات الجيوسياسية العالمية الشديدة والتهديدات المتزايدة للأمن الغذائي والاضطرابات المائية، اعتمدت الدولة المصرية عقيدة “الاعتماد على الذات”، تماماً كما فعلت أثناء تجهيز جبهة القتال قبل عام 1973.
وانطلقت الدولة نحو العبور الزراعي الكبير عبر مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية التي تجاوزت في مجملها 4 ملايين فدان جديدة تُضاف إلى الرقعة الزراعية التاريخية للمرة الأولى في تاريخ مصر: - مشروع الدلتا الجديدة: يقع على امتداد محوُرد الضبعة بتكلفة تتجاوز مئات المليارات، ويستهدف استصلاح 2.2 مليون فدان بالاعتماد على المياه المعالجة ثلاثياً وأحدث تقنيات الري الحديث، لإنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالمشتقات الحقلية والقمح والذرة والموالح.
- توشكى الخير وتوشكى الجديدة: إعادة إحياء مشروع توشكى بزراعة مئات الآلاف من الأفدنة بالقمح والنخيل عالي الجودة بفضل جهد جهيد قادته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع وزراتي الزراعة والري، لتشغيل أكبر المزارع الآلية في الشرق الأوسط.
- مشروعات الري الحديثة: تبطين أكثر من 20 ألف كيلومتر من الترع والقنوات المائية، واستخدام معالجة مياه الصرف الزراعي من خلال محطات عملاقة كـ “محطة المحسمة” و”محطة بحر البقر”، مما حافظ على كل قطرة ماء واستغلالها في بناء مجتمعات زراعية وصناعية جديدة.
الطاقة والغاز: من العجز المحبط إلى المركز الإقليمي للتميز
قبل أعوام قليلة، كانت مصر تعاني من أزمات انقطاع التيار الكهربائي ونقص المازوت والغاز الطبيعي. ولكن بفضل رؤية حاسمة وحسن إدارة للموارد، تحولت مصر في فترة وجيزة من دولة تعاني نقصاً في الطاقة إلى مركز إقليمي لتداول وتصدير الطاقة في شرق المتوسط.
• القفزة في الطاقة الكهربائية: تم إنشاء محطات سيمنس الأكبر عالمياً في بني سويف والعاصمة الإدارية والبرلس بقدرة 14,400 ميجاوات، ليصل إجمالي إنتاج مصر من الكهرباء إلى أكثر من 59 ألف ميجاوات، محققة فائضاً يتيح التصدير للدول المجاورة عبر مشروعات الربط الكهربائي مع السعودية وحوض المتوسط وإفريقيا.
• الطاقة المتجددة والشمسية: تأسيس مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، وهو أحد أكبر تجمعات محطات توليد الكهرباء الشمسية في العالم بقدرة 1,465 ميجاوات، فضلاً عن توسعات مزارع الرياح في جبل الزيت والزعفرانة.
• اكتشافات الغاز والسيادة البحرية: فضل ترسيم الحدود البحرية في البحرين المتوسط والأحمر، تم اكتشاف حقل ظُهر للغاز الطبيعي (الذي تقدر احتياطياته بـ 30 تريليون قدم مكعب من الغاز)، إلى جانب عشرات الاكتشافات الأخرى التي أ أمنت احتياجات السوق المحلي والمصانع، ووفرت النقد الأجنبي من خلال تصدير الغاز المسال عبر محطات الإدكاو ودمياط.
بناء الإنسان والمستقبل: مسيرة لا تتوقف
إن معركة التنمية في مصر لا تكتفي فقط بالأحجار والخرسانة، بل تمتد لتضع الإنسان المصري في قلب المعادلة، تماماً كما كان المقاتل المصري هو البطل الحقيقي في حرب أكتوبر:
• مشروع “حياة كريمة”: أضخم مشروع تنموي في تاريخ مصر الحديث يهدف إلى تطوير وتنمية أكثر من 4,500 قرية تضم 58 مليون مواطن في ريف مصر، باستثمارات تتجاوز 1 تريليون جنيه مصري لمحو آثار العقود الماضية وتوفير مياه الشرب، الصرف الصحي، الكهرباء، والخدمات الصحية والتعليمية لجميع القرى.
• الجامعات والمدن التكنولوجية: إنشاء عشرات الجامعات الأهلية والتكنولوجية والجامعات الدولية للجيل الرابع لتأهيل الشباب المبتكرين لعلوم المستقبل، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والعلوم اللوجستية، لتبنى العقول الشابة التي تحمي مقدرات هذا الوطن.
رسالة إلى العالم: مصر لا تنحني وصانعة المعجزات
إن ما يحدث على أرض مصر اليوم ليس مجرد مشروعات تنموية تتجاوز قيمتها التريليونات، بل هو عبور جديد في زمن التحديات الرقمية والاقتصادية العالمية. لقد أثبت هذا الشعب الأصيل للعالم أجمع أنه قادر على التحمل والصمود والعمل تحت أعتى الضغوط، وأن الجينات الحضارية التي صنعت نصر أكتوبر 1973 هي ذاتها التي تبني العاصمة الإدارية، وتستصلح الصحراء، وتشيد الأنفاق، وتطرق أبواب المستقبل بكل ثقة وجسارة.
ستظل مصر حرة، عزيزة، قوية بجيشها، وشعبها، ورؤيتها المتبصرة التي تسبق الأزمات وتصنع الفرص. ورحم الله شهداءنا الأبرار الذين سددوا بدمائهم فاتورة الكرامة، لتعيش الأجيال الحالية والقادمة في وطنٍ آمِنٍ، ينبض بالمجد، ويرتفع بناؤه هامةً في السماء.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
