توقفت طويلا عند واقعة تاريخية حدثت بين احدى المخلوقات الضعيفة جدا، وبين أحد أقوى ملوك الأرض في زمانه ،بل الأقوى على الإطلاق لأنه كان يملك جيشا قويا جنوده من الإنس والجن والطير . وهي واقعة حقيقة ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في الآيات 17 و18 و19 من سورة النمل : ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ٱدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكَاً مِّنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).
فالنملة قامت بواجبها بمسئولية وانذرت قومها من الخطر،والجميل ان الملك والنبي سليمان عليه السلام استحسن فعلها ولم يعرضها لأي أذى، وشكر الله على نعمة فهمه للغتها. وقد يسأل قارئ وهل النملة عندما انذرت قومها كانت تعلم ان سليمان ملك وحاكم ورغم ذلك تجرأت ؟! والإجابة نعم . اما كيف عرفت ؟. فالعلم عند الله الذي أعلمها بخبر سليمان وجنوده، وعلم سليمان لغتها.
ولم أقف عند تلك الواقعة للتسلية او للترويح عن النفس ولكن لاستخلاص دروس وعبر تفيدنا في زماننا المعاصر . ويستخلص الداعية الاسلامي بلال بن عبدالصابر قديري بعض الدروس من تصرف النملة مع سيدنا سليمان وجيشه والتي يجب ان يستفيد بها بني البشر ويقول : ” لم تحملها الأنانية على النجاة بنفسها هرباً. ثم إنها كانت في وادي النمل، فلم تتكل على غيرها، ولم تنظر إلى كثرة النمل غيرها، وكانت نملة من أفراد النمل، لا منصب لها ولا مكانة، فلم تزدري نفسها، بل قامت بالبلاغ المبين فأنقذت أمتها، مع أنها لم تكن ذات منصب أو وجاهة”.
لم تكن النملة أنانية ، بينما نجد للأسف كثير من البشر تدفهم الأنانية وجب الذات إلى النجاة بالنفس مع إقتراب أي خطر دون الإهتمام بالآخرين حتى ولو كانوا من المقربين . ويتخذون لأنفسهم مبررا بقولهم ” أنا مالي ” . وللأسف ثقافة الأنانية تعززها أمثال شعبية ، منها المثل السئ القائل ” نفسي ومن بعدي الطوفان “، ومنها المثل الأسوأ القائل ” اذا جه الطوفان حط ابنك تحت رجليك”.
ولم تتكل النملة على غيرها مثلما يفعل الكثير من بن آدم الذين يعيشيون حياة الإتكالية على الأخرين والعشوائية . ويتقاعسون عن الانذار بالخطر او محاربة المنكر بقولهم :” خليها تيجي من غيري”.
والدرس الأهم من وجهة نظري أن النملة لم تقلل من شأن نفسها ، وأنها مجرد نملة في وادي ملئ بالنمل، وليس لها أي دور قيادي . وقامت بالتحذير من الخطر وقامت بإنقاذ كل النمل رغم أنها ليست في موقع المسئولية . والكثير من البشر خاصة في عالمنا العربي والاسلامي يتقاعس عن إبداء النصح أو البحث عن مخرج لأي أزمة بدعوى أنه غير مؤثر لأنه لا يتولى منصب أو موقع قيادي يستطيع ان ينفذ ما يقترحه .
ولمس الداعية قديري صفة مهمة في النملة صاحبة بلاغ التحذير لقومها وهي انها كانت عادلة في بلاغها فقال :” كان العدل لها سمةً، فاعتذرت عن فعل سليمان وجنوده في قولها (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) ، في حين إنه لا حاجة لاعتذارها له، واعتذارها براءة لها من حمل الأفعال على سيئ المحامل والمقاصد، إذ تتبع العثرات ليس من شيم الكرام”.
أما الباحث حامد شاكر العاني فيدلنا على درس هام جدا عن مجتمع النمل يتمثل في الإستجابة للنصيحة حتى لو كانت صادرة من نملة عادية وليست قائدة فيقول: “واللافت للنظر أن العلماء وجدوا أن مجتمع النمل يستجيب لأي نداء يوجه إليه من أي نملة تحذرهم من أي خطر مهما كان نوعها ولونها، لدرجة أن النمل يلبي النداء على الفور وبدون تلكؤ، لهذا استجاب النمل بمجرد سماع نداء النملة فدخلوا مساكنهم مخافة أن يحطمهم ويدوسهم ويسحقهم سليمان وجنوده”.
وهو درس يجب ان يتوقف بني البشرعنده طويلا فكثيرا ما نرفض قبول دعاوي النصح والاصلاح بدعوى انها صادرة من جهة لا تتولى المسئولية أو من الفصيل الفلاني او من الحزب المعارض.
ومن وجهة نظري أرى أن النملة كانت صادقة في تحذيرها لقومها، ولم تهون من الخطر أو تضخمه. وبالتالي جاءت الاستجابة سريعة ودون تردد من جموع النمل . وبالتالي يجب ان تتسم دعاوي وبرامج الاصلاح في أي مجتمع بشري بالإخلاص والصدق والموضوعية حتى تلقى قبولا من الآخرين.










