عندما تختلط الأوراق، ويصل الأمر بالبعض إلى لوم المقاومة والتحريض عليها، والمطالبة بإخراجها من أرضها بدلا من إخراج الاحتلال، يصبح من المفيد أن نبحث عما يساعدنا في ضبط بوصلتنا، وفي تحرير مصطلحاتنا وتحديد مواقعنا، وقد عثرت في أرشيفي الخاص على وصية للملك عبد الله عاهل السعودية الراحل جديرة بالنظر، أدلى بها في قمة مجلس التعاون الخليجي بعمان يوم الأحد 30 ديسمبر 2001، حينما كانت المنطقة العربية تموج بأحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي استمرت من سبتمبر 2000 إلى فبراير 2005، وكان الملك عبد الله وقتها وليا للعهد، وألقى كلمة أمام القمة تضمنت شهادة مهمة عن المقاومة والدور العربي في دعمها.
قال الأمير عبد الله: “إن ما يحدث من تدمير ومذابح دامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت سمع العالم وبصره يحتم على الأمة العربية والإسلامية أن تواجه مسئوليتها التاريخية التي تتطلب محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، إننا لسنا بحاجة إلى قمم طارئة تصدر قرارات انفعالية ارتجالية، تموت قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به، لكن الدواء لكل مشاكلنا هو الوحدة التي تقوم على مشاريع اقتصادية مشتركة، وعلى مناهج دراسية واحدة تنتج جيلاً مؤهلاً للتعامل مع المتغيرات، وعلى قنوات عربية وإسلامية نستطيع عبرها معالجة مشاكلنا”.
وأضاف: “لا نتجاوز الحقيقة إذا اعترفنا بأننا جميعاً أخطأنا في حق أمتنا الكبرى حين سمحنا لعلاقاتنا أن تكون قائمة على الشك وسوء الظن بدلاً من المصارحة، وحينما نشدنا العون من الغريب ونسينا القريب، وحين فتحنا بيوتنا وأسواقنا لمنتجات الآخرين وسددناها أمام المنتجات العربية والإسلامية، إن وقتنا أثمن من أن نضيعه في استجداء الدول والمنظمات الدولية، فقد فعلنا ذلك لعقود طويلة بلا جدوى، وجهدنا أثمن من أن نهدره في شجب واستنكار، وقتنا كله يجب أن يكرس لمحاسبة النفس العربية والإسلامية على التقصير، ويجب أن ينصب جهدنا على عدم تكرار الخطأ، وعلى إصلاح البيت العربي والإسلامى وجعله قادراً على مواجهة التحديات”.
ثم تساءل الأمير: “ماذا فعلنا لتحقيق المبادئ السامية التي قامت عليها الجامعة العربية؟ ماذا فعلنا لتنفيذ معاهدة الدفاع المشترك؟ ماذا فعلنا لتحقيق الوحدة الاقتصادية؟ هل ما يدور في فلسطين من قمع دموى كان سيحدث لو أن اسرائيل وجدت أمامها أمة عربية وإسلامية متضامنة، أمة موحدة الكلمة والصف والهدف، أمة تتحرك عبر مؤسسات فاعلة وقوية ومؤثرة؟!”.
بهذه الكلمات وضع الأمير عبد الله (الملك بعد ذلك) يده على الجرح النازف في الجسد العربي إلى الآن، الجرح الذي يجعلنا نشعر بالمهانة والضعف والخذلان، وقدم اعترافا بالتقصير العربي والإسلامي فيما يتعلق بحلم الوحدة والدفاع المشترك، وفيما يتعلق بمواجهة الإجرام الوحشي الذي تمارسه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وقال في ذلك ما تقوله الشعوب اليوم وهي تتحسر على ما آلت إليه المواقف العربية والإسلامية من عجز وضعف وهوان.
ولم يكن الرجل في وصيته متحاملا، ولو أن دولنا تعاملت مع الوصية بجدية، وتنادت إلى ما دعا إليه لإصلاح البيت العربي والإسلامي لما وصلنا إلى مانحن فيه اليوم من تفكك وانقسام، وهو ـ بالمناسبة ـ الذي صاغ بعد ذلك المبادرة العربية للسلام التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002، والتي تضمنت إقامة السلام والتطبيع الشامل لكل الدول العربية مع إسرائيل مقابل إعلان الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، لكن إسرائيل تجاهلت المبادرة ووأدتها، وتفلت منها العرب متجهين إلى التطبيع الفردي والسلام الإبراهيمي.
لقد دعا الملك عبد الله في وصيته الأمة العربية والإسلامية إلى “تحمل مسئوليتها التاريخية التي تتطلب محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين”، لكن الأمة ـ للأسف ـ مازالت تتهرب من مسئوليتها، وتطالب ـ بل تستجدي ـ الدول والمنظمات الدولية لأن تقوم بواجبها إزاء وقف العدوان على الشعب الفلسطيني، وتظن أنها بذلك قد أبرأت ذمتها أمام الله، ثم تنحي باللائمة على الآخرين الذين لم يتحملوا مسئوليتهم، ولم ينصفوا قضيتها، بينما هي في الحقيقة أول المقصرين والمفرطين في المسئولية.
ولم تتخذ الأمة خطوة جادة لتحقيق إرادة الشعوب في الوحدة وإصلاح البيت العربي والإسلامي، وجعله قادرا على مواجهة التحديات وإنتاج جيل مؤهل للتعامل مع المتغيرات، وانساقت إلى مزيد من التدهور، وتبدلت أحوالها ومواقفها تجاه فكرة مقاومة الاحتلال، فلم تعد قادرة ولا راغبة في دعم المقاومة، بل وصل الأمر إلى إدانتها وشيطنتها والتشكيك فيها، والضغط لإخراجها من أرضها بدلا من الضغط لإخراج العدو المحتل، وبالغت في طلب العون من الغريب على القريب، وهي تعلم جيدا ما يضمره لها الغريب من ضغينة، وما يعده لها من مؤامرات ليسستأصل شأفتها.
ولو قدر للملك عبد الله أن يعيش إلى يومنا هذا لرأى من أمته العجب العجاب، فقد بلغ بها التقصير إلى أقصى مدى، ليس في حق فلسطين وأهلها فحسب، وإنما في حق نفسها ووجودها ومستقبلها، وكررت أخطاءها مرات ومرات، وأهملت دوائر أمنها القومي، وجعلت من عدوها صديقا، وراحت تتخبط في تحالفاتها، ورضيت بأن يجري ابتزازها علنا ليلا ونهارا، وتدفع للأجنبي الذي نصب نفسه عليها وصيا وحاميا.
أما الأسئلة التي طرحتها الوصية فيجيب عنها الواقع الأليم، فها هي ذي الجامعة العربية جثة هامدة لا دور لها، لأننا لم نتخذ الخطوات اللازمة لتحقيق المبادئ السامية التي قامت عليها، والكلام عن اتفاقية الدفاع المشترك صار موضة قديمة غير مرغوب فيها، وما يدور في فلسطين من قمع دموى ما كان ليحدث لو أن اسرائيل وجدت أمامها أمة عربية وإسلامية متضامنة، أمة موحدة الكلمة والصف والهدف، أمة تتحرك عبر مؤسسات فاعلة وقوية ومؤثرة.










