صدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريح مفاده من أنه لولا أمريكا ما كانت قناة السويس !! وطالب بإعفاء السفن الأمريكية من رسوم المرور في قناة السويس!! هذا التصريح ينبغي الوقوف عنده طويلا والرد عليه ليس بالحديث المرسل ولا بالحماس الوطني دفاعاً عن هذا المرفق الحيوي لمصر. وفى تقديرنا أن هذا التصريح له بعدان ، الأول تاريخي وقانونى وهذا ما نعرض له بإيجاز في هذا المقال ، والثاني سياسي واستراتيجي ونتركه لرجال السياسة مع الإدراك الواعي ، بأن هذه التصريحات لا تصدر بمحض الصدفة ولكن لها حساباتها وأغراضها .
تاريخياً جرى التفكير من قديم العصور لتوصيل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر عبر الأراضي المصرية، وقديماً تم هذا الإتصال فعلا، ولكن بطريقة غير مباشرة بأن حفرت عدة قنوات في عهود متفاوتة ، ومن الفراعنة للعرب، وفي أماكن مختلفة شرق الدلتا، توصل مياه البحر الأحمر بمياه النيل، وبالتالي بالبحر الأبيض الذي يصب فيه هذا النهر. وكان الغرض من حفر هذه القنوات كلها داخلياً بحتاً محصوراً في مصالح مصر والأقاليم التي يجمعها بها كيان سياسي واحد، إذ لم يكن الاتصال الدولي قد انتشر لدرجة تجعل لهذه القنوات صفة أو فائدة عالمية.
واندثرت هذه القنوات واحدة بعد أخرى، ومرت قرون حتى جاءت الحملات الصليبية على مصر حيث كان مشروع قناة برزخ السويس حاضرا، وتجدد مع مجئ الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت حيث أجريت في عهدها دراسات جدية أظهرت فكرة توصيل البحرين توصيلا مباشرا إلا أن هذه الدراسات لم تؤد النتيجة المطلوبة منها في حينها. وظلت هذه الفكرة تتوارى وتظهر خلال عهد محمد على باشا حتى أذن محمد سعيد باشا والي مصر عام 1854 لفردينا دليسبس بتنفيذ هذا المشروع وحفر قناة بين البحرين مباشرة، وتم افتتاحها للملاحة في 17 نوفمبر 1869 في عهد إسماعيل باشا والى مصر .
وتكشف الوثائق القانونية الخاصة بالقناة والصادرة عن الخديوي محمد سعيد والخديوي اسماعيل في أعوام 1854 ، 1856 ، 1866 عن كثير من الحقائق وفي مقدمتها، أن القناة جزء من السيادة المصرية، وأن الشركة العالمية لقناة السويس التي تولت إدارة القناة، شركة مساهمة مصرية تخضع للقانون المصري، وأن حرية الملاحة في القناة مكفولة لجميع السفن التجارية دون تمييز أو تفضيل للأشخاص أو الجنسيات نظير دفع الرسوم والإلتزام باللوائح والنظم المعمول بها، وأنه بانتهاء مدة امتياز الشركة تحل الحكومة المصرية محل الشركة فيما لها من حقوق وتستولى مصر على الشركة وجميع منشآتها استيلاء تاما، وتحل باتفاق ودي أو بطريقة التحكيم التعويض الذي يمنح للشركة مقابل ترك أدواتها ومنقولاتها.
كما تتضمن الوثائق القانونية، أن ما تكلفته مصر في حفر القناة أكثر مما قدمته الشركة، وأن ما خسرته مصر ضعف ما قدمته الشركة، فضلاً عن الأراضي التي قدمتها مصر للشركة، والرجال الذين لقوا حتفهم خلال حفر القناة بسبب قسوة ظروف العمل وانتشار الأمراض وغياب الرعاية الصحية وبلغ عددهم 120ألف عامل، حيث استوجبت أعمال شق القناة حفر ونقل 72 مليون متر مربع من الأتربة والرمال.
وبتاريخ 29 اكتوبر 1888 وقعت الدول البحرية الكبرى -وليس من بينها الولايات المتحدة الأمريكية -اتفاقية القسطنطينية لتنظيم المرور في قناة السويس وعهدت المادة التاسعة من الاتفاقية للحكومة المصرية اتخاذ التدابير لضمان الإلتزام بهذه المعاهدة، كما نصت المادة الثانية عشرة على مبدأ المساواة في حرية استخدام القناة وألا تسعى الدول الموقعة عليها – ومنها الدولة العثمانية – للحصول لنفسها على فوائد إقليمية أو تجارية أو امتيازات. وعلى إثر هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، فقد انتقلت إلى مصر الحقوق التي قررتها المعاهدة لتركيا طبقاً لتواعد الاستخلاف الدولي (المادتان11، 12) من معاهدة فيينا لعام 1978.
وبتاريخ 1 يونية 1954 اجتمع مجلس إدارة الشركة العالمية لقناة السويس برئاسة
“شارلي روى” الفرنسي وعضوية بريطانيا، وأمريكا التي تُمثل لأول مرة في مجلس الإدارة وناقش المجلس في هذا الإجتماع فكرة ” المسئولية الدولية ” لشركة قناة السويس، وبدأت الدول الثلاث من خلال هذه الفكرة تهيئة الرأي العام العالمي لقبول فكرة أن الحكومة المصرية لا تستطيع أن تنفرد بإدارة الملاحة في قناة السويس، وأن المدة المتبقية لإنتهاء الامتياز في نوفمبر 1968 غير كافية لأن تقوم الحكومة بإعداد الكوادر اللازمة لتولي مسئولية إدارة الملاحة في قناة السويس ، وأنها – أي الدول الثلاث – تقترح إنشاء هيئة دولية لإدارة القناة على غرار لجنة تنظيم الملاحة في الدانوب التي أنشئت عام 1948، وقامت الشركة عام 1952بفتح مكتب لها في نيويورك بجوار مقر الأمم المتحدة لخدمة هذه الأغراض .
وقد أدركت مصر أبعاد هذه المؤامرة التي تعد لها الدول المذكورة وأنه لا نية لها لإعادة القناة لمصر عند انتهاء مدة الامتياز، وأتخذت قرارها بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس في 26 يوليو 1956، مما دفع هذه الدول إلى إصدار بيان ثلاثي بتاريخ 2/8/1956 تضمن الكثير من المغالطات، كما قامت انجلترا بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي يعقد في لندن في 16 نوفمبر 1956 لمناقشة موضوع قناة السويس – وقد ردت مصر على هذه المغالطات ورفضت حضور المؤتمر – كما قامت كل فرنسا وانجلترا وأمريكا بالتقدم إلى مجلس الأمن بمشروع قرار بإنشاء هيئة دولية لإدارة قناة السويس تتبع الأمم المتحدة، وتم رفض مشروع القرار نتيجة لاستخدام الاتحاد السوفيتي لحق الفيتو.
وبتاريخ 31 اكتوبر 1956 شنت فرنسا وانجلترا وإسرائيل عدوانا على مصر، التي قامت بإلغاء المعاهدة المصرية البريطانية، الموقعة عام 1954.
بتاريخ 24 ابريل 1957 قامت مصر بإصدار تصريح يتضمن التنظيم الجديد للمركز القانوني للقناة بالإرادة الانفرادية لمصر وحدها متضمنا عشر مبادئ لتنظيم الوضع القانوني لقناة السويس ونص البند السابع منها على أنه عملا بالمبادئ التي نصت عليا اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 لا تستطيع هيئة قناة السويس بأية حال أن تمنح لأي سفينة أو شركة أو طرف من الأطراف أي امتياز أو رعاية لا تمنح للسفن أو الشركات أو الأطراف الأخرى في ظروف مشابهة وتم تسجيل التصريح بسكرتارية الأمم المتحدة.
ويتأكد مما تقدم، أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن أبدا طرفا في أي أمر يتعلق بقناة السويس منذ بدء أعمال حفرها ومرورا بافتتاحها عام 1869، وصدور اتفاقية القسطنطينية عام 1888 وانتهاء بتأميمها عام 1956، وإنما كانت طرفا في التآمر على مصر من خلال عضويتها في مجلس الإدارة الأخير قبل التأميم مباشرة ، كما كنت طرفا فاعلا في تدويل قضية القناة ووضع مشروع قرار قدم لمجلس المن الدولي بتعيين هيئة دولية لإدارة القناة تكون تابعة للأمم المتحدة، وبالتالي يكون الزعم بأنه لولا أمريكا ما كانت القناة !! لا أساس له من الصحة. كما لا أحقية لها في إعفاء سفنها من رسوم المرور في القناة طبقاً لاتفاقية 1888 و نظام المرور بالقناة .
ومن المعلوم أن مبدأ المساواة وعم التمييز بين جنسيات السفن العابرة للقناة في شأن رسوم المرور وغيرها من الأمور ليس مبدءا خاصا بالعبور في قناة السويس وحدها، بل هو مبدأ عالمي معترف به لدى المرور في كل القنوات والممرات الملاحية العالمية ، وعليه نصت المادة الثالثة من معاهدة 18 نوفمبر 1901 الخاصة بقناة بنما حيث قررت تطبيق اتفاقية عام 1888 بشأن قناة السويس.
كما نصت عليه المادتان (380 ، 381) من اتفاقية فرساي عام 1918 بشأن قناة كييل ، وأيضاً المادة رقم (1) من اتفاقية 1948 في شأن نظام الملاحة في الدانوب .
وعلى ذلك تكون المطالبة بإعفاء السفن الحربية الأمريكية من رسوم المرور في قناة السويس، مطلب لا سابقة له في العلاقات الدولية ، ولا في أحكام القانون الدولي، ولا تجيزه القواعد المنظمة للمرور لمختلف القنوات والممرات الملاحية الدولية ويكون خليقا بالرفض .
نائب رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق










