بينما تتبادل طهران وتل أبيب الاتهامات وتزدان شاشات الفضائيات بلقطات الدمار والصواريخ المتفجرة ، تبرز مصر كواجهة للهدوء وسط عاصفةٍ من الانفعالات. فالعدوان عبر الأثير لا يقل تدميرا عن الطائرات المسيرة والإعلام اليوم يضخ الحروب في عقول المشاهدين أكثر من أي ساحة قتال. من هناك إلى هنا ينسج كل طرف سرديته الخاصة لكن القاهرة اختارت أن تكون العقل الهادئ الذي يراكم البصيرة ولا يستهلكها في سباق الخطابات.
في بيروت ومضيق هرمز وفي الأزقة الضيقة لطهران يردد الإعلام نغماته الحماسية بطلقة بعد أخرى ، محاولة تحشيد الدعم واستنزاف معنويات الخصم. تهويل وإثارة نقل مباشر وصور متقطعة كأن العالم كله أمام شاشة عملاقة ، تحاول كل جهة أن تجعل من نفسها الضحية والمنقذ في آن واحد. وفي هذا الزخم يغيب كثير من الحقائق أو يُحرّف مساره حتى يتلاشى الصوت العقلاني بين أبواق التعصب.
مصر بكل ثقلها الجيوسياسي لم تنخرط في هذه الحرب الشعواء على الهواء. لم ترفع درجة الانفعال ولم تنشر بيانات مدوية ترفع منسوب التشنج. بالعكس اختارت العمل بهدوء خلف الكواليس: اتصالاتٍ دبلوماسية مع طهران ، مداولات مع تل أبيب لقاءاتٍ مع دول الجوار، وتحركات مع الحلفاء الكبار. كل ذلك لإصدار رسالة واحدة: لا مكان لمزيد من الاحتقان في منطقة أنهكها النزاع ، ولا مبرر لاستغلال الإعلام كساحة حرب افتراضية تُلقي بظلالها على الواقع.
لا يقاس دور الدولة بمدى ضجيج بياناتها بل بقدرتها على حسم النزاع قبل أن يشتعل في أذهان الشعوب. مصر تعرف أن معارك الإعلام لن تُحسم بتصريحاتٍ حماسية ، بل بتقديم الحقائق، وتثبيت التحالفات وتعزيز الجبهات الصامتة التي لا تُرى بالعين المجردة. ففي الأروقة الخلفية للأمم المتحدة وفي لقاءات سرية بين المخابرات ، ومداخلات هادفة في الإعلام المستقل تُصنع مواقف تمنع الانزلاق وهي المواقف التي لا يظهر بريقها في العناوين الرئيسية ، لكنها تحافظ على الأمن القومي.
الكثير من الدول تُلهث وراء المصالح اللحظية، فتترك مجالا للتضليل وللتطرف. تأخذ من الحماس وقودا وتختزل الحرب في مشاهد صادمة تجذب الانتباه. أما القاهرة فهي الأخرى صاحبة تاريخ من خوض الحروب لكنها استفادت من دروس الماضي. تعلمت أن صمت الذئب أخطر من عواء الذئاب ، وأن الوقايـة خير من العلاج. لذا لم تُبد انفعالا يُثير غضب أحد أو يمنح أطراف الصراع أوراق ضغط إضافية.
الإعلام المصري الحكومي والخاص بدوره لم ينزلق إلى مجرد إعادة بث ما تُقدمه شاشات العدوين. بل اتخذ منهجية تتمحور حول تقديم قراءة متوازنة وتحليل المعطيات بعمق وخلق مساحة لوجهات النظر المختلفة. لم يُهمش الجرحى في غزة أو المدنيين في طهران فحسب ، بل ناقش أبعاد الصراع الاقتصادية والاستراتيجية ، وعرض بدائل الحلول بعيدا عن التصعيد. أقصى ما اختاره كان نقد المناورات الإعلامية بشفافية ، دون تقديم نفسه كطرف محايد بالفم المليء بالشعارات الفارغة.
هذا الأسلوب لا يعني حيادا مطلقا إذ إن مصر لديها ثوابت وأولويات. لكنها تُفضّل التعبير عن موقفها عبر أدوات دبلوماسية متدرجة: من الاتصال المباشر إلى المشاركة في مبادرات الوساطة مرورا بدعوة الأطراف لضبط النفس وحث الوسطاء الكبار على التوقف عن تحفيز الصراعات الإقليمية. وفي كل هذه الخطوات ، تُظهر القاهرة أنها طرف مسؤول يضع مصالح شعوب المنطقة قبل أي حسابات انتخابية أو أهداف انتخابية قصيرة المدى.
يظن بعض المُتقَلِّبين أن عدم الزج بالإعلام في حرب الشاشات يعني ضعفاً أو خنوعاً. لكن مصر أثبتت أن أعظم قوة هي التي توجد في خلفية المنظر تعمل بهدوءٍ وترتيب بعيداً عن أضواء الكاميرات. هذه القوة لا تحتاج إلى من يشهد عليها، لأن نتائجها ستظهر وقت الحاجة: وقف التصعيد قبل أن يشتعل، حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، ودعم الاستقرار الاقتصادي للدول المجاورة. إنها قوةٌ تُمارس الوعي العملي أكثر من الشعارات البراقة.
وعلى الجانب الآخر تواصل إيران وإسرائيل خوض حرب الإعلام بإخراجاتٍ سينمائية تجذب القنوات العالمية. كل طرف يقدّم نفسه كبطل مطلق والآخر كعدو يستحق التدمير. بينما مصر التي تعاملت مع مسارح حروبٍ لا تُحصى ، تفهم أن هذه المواجهة لن تُحسم من خلال المؤثرات الصوتية أو المشاهد الصادمة بل عبر مدى قدرتها على إعادة بناء الثقة بين الأطراف ، وعلى إقناع العالم بأن استمرار هذه الحرب الإعلامية لا يصب في مصلحة أحد سوى مروّجي الكراهية.
في النهاية لا يكمن الانتصار الحقيقي في إطلاق بياناتٍ تهدد أو تُطالِب بالثأر بل في خفض منسوب التوتر قبل أن يقترب الصراع من نقطة اللاعودة. مصر تعلّمنا أن الحكمة ليست انعزالية ولا تراجع بل هي رفض الانجرار نحو الردود الانفعالية والتمسك بخيار العقل وتوظيفه لخدمة الأمن والاستقرار. وعندما يكون هناك نموذجٌ يجمع بين القوة الصلبة والناعمة بين الحضور الجيوسياسي والأثر الإعلامي الهادئ، فإن المنطقة تجد فرصتها لاستعادة أنفاسها بعيداً عن دوامة الحروب الافتراضية.










