ما أشبه حب فقراء مصر لها بقيس بن الملوح ، الذي ذاب عشقاً بليلي العامرية !!.
أحبها حد الجنون ، وكانت لغيره !!.
أعطاها سلافة روحه ، وتزوجت هي من ورد العقيلي ، وعاشت معه أيامها ولياليها ، مُتجاهلةً هذا العاشق الذي لاذ بالصحراء هرباً ، وهام علي وجهه في الفيافي والقفار ، حتي استأنس الوحش وجوده ، فصار صديقاً للضواري ، رفيقاً للغزلان والأيائل !!.
ذهب قيس ذات مساء إلي حيث يجلس ورد ، زوج ليلي ، ومعه جوقة من أصحابه ، يتحلقون حول كوة نار مشتعلة ، وسأله ، قل لي ياورد أستحلفك بالله ، هل عانقت ليلي ، هل لامست فاها ، هل تثنت أعطافها بين ذراعيك ، فقال له ورد ضاحكاً ، أما وقد حلفتني ياقيس ، فنعم ، فقبض قيس علي جمرة من النار حتي أغشي عليه !!.
فقراء مصر يحبونها حباً ملك عليهم قلوبهم وعقولهم ، وإن لم يحظوا منها إلا بالفتات ، بينما هي قد وهبت جمالها وشبابها لغيرهم ، من ذوي المال والجاه والصولجان !!.
عندما تتألم ، تنادي علي فقرائها ، فيهرعون إليها واهبين أرواحهم فداء لشفاها ، بينما يفر الآخرون كما تفر الجرذان !!.
عندما تضيق عليها الدنيا ، ويحاصرها الأعداء ، يحمل الفقراء علي أكتافهم حملها الثقيل ، فلا يشكون ولا يتبرمون ، بل يرضون بالكفاف ، ولا يضنون عليها بأرواحهم ودماء فلذات أكبادهم ، بينما الآخرون يتنعمون في منتجعاتها ، التي سطوا عليها ذات ليل حالك !!.
وظل قيس عاشقاً لليلي ، كما ظل ويظل فقراء مصر عشاقاً لها ، إلي أن عثروا عليه ميتاً بين الصخور ، مثلما يموت أبناء الفقراء غرقاً في البحار ، أو فوق رصيف أسفلت ضربه الإهمال والفساد !!.
تُري ، هل جنت ليلي علي قيس ، أم جني عليه صدقه وإخلاصه وعشقه وصبابته وحبه لها !!.
هل جنت مصر علي فقرائها ، أم هم ضحايا حبها الذي لايستطيعون منه فكاكا ، بل يستعذبون قساوته ، ويستملحون آلامه ، ويتجملون بالصبر ، لعلي الله يجبر – ذات يوم قريب – بخاطرهم ، أو يُحدث بعد ذلك أمرا !!.










