في تصريحٍ مزلزلٍ لماكرون، يعلن فيه ورسميًّا -عبر صفحته الرسمية، ورسالة رسميةً سلمها سفيره إلى أبو مازن- عزمه الاعتراف بالدولة الفلسطينية، خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر المقبل (2025م). تصريح نزل كالصّاعقةِ على أمريكا وإسرائيل، وكاشفٍ وفاضح لمَن يدور في فلكهما قلبًا وقالبًا، ظاهرًا وباطنًا، حلفًا وخندقًا، وربما ممالأةً ومنفعةً وخوفًا ورُعبًا. تصريح صاح منه ماكِرون وضجّوا؛ ألمانيا -مثالًا- لن نعترف بالدولة الفلسطينية، وأولويتنا القصوى ضمان أمن إسرائيل. إيطاليا، أي اعتراف بدولة فلسطينية لا بُدّ وأن يتزامن معه اعترافٌ بدولة إسرائيل. وكأن إسرائيل لا تزال بحاجةٍ إلى اعتراف، وهي التي ملأت الدنيا صخبًا وضجيجًا.
صراخٌ إسرائيلي، ورفضٌ وتنديدٌ، على لسان رئيس وزرائها ووزيري خارجيتها ودفاعها، ووصفه بأنه نقطة سوداء في تاريخ فرنسا، ومكافأة للإرهاب (حماس)، وتهديد وجودي لدولة إسرائيل، ومنصّة تهددها كإيران. تنديدٌ وتهوينٌ وتسفيهٌ أمريكي؛ يهوّن منه ترامب واصفًا إياه بأنه لا يهمّ، ولا قيمة له ولا وزن. ويصفه وزير خارجيته مارك روبيو بأنه تهوّر خطير. الغريب، وليس بغريب ولا عجيب، أن يكون هذا هو موقف أمريكا الرسمي منه، أمريكا راعية السلام، ورؤية حلّ الدولتين، والتي أقرّت هي به، وأقرّه معها المجتمع الدولي بأسره، وقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي والأمم المتحدة. علنًا ورسميًّا تعلن أمريكا رفضها له، علنًا ورسميًّا تعلن إسرائيل رفضها له. وقبلُ، وبتصويتٍ رسميّ حدّ الإجماع من الكنيست (يوليو2024م) برفض قيام دولة فلسطينية باعتبارها خطرًا وجوديّا على عليها.
والغريب، حقًّا كان في تصريح ألمانيا بأنها لن تعترف بدولة فلسطينية، وأنها أولويتها القصوى تتمثل فى ضمان أمن إسرائيل. ألمانيا الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان والحيوان، ألمانيا التي اكتوت من اليهود. لكنه ليس بغريب ولا عجيب على ألمانيا النازية، ألمانيا التي تصدّت لقرار الجنائية الدولية ومذكرتها القاضية باعتقال نتنياهو وجالانت باعتبارهما مجرمي حرب، لارتكابهما إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، بل صبّت جامّ غضبها عليها واصفةً إياها بالمُسيّسة. ألمانيا، والتي كانت رأس حربة فورية في تلك الإبادة بدعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، وعلى نحو ما نلمحه اليوم، وفي تصريحها الفوري دعمًا لها.
اليوم، وفي تصريح جريءٍ وشجاع، كان اعتراف ماكرون بدولة فلسطين، اليوم وبعد إبادةٍ ومجاعةٍ، وبعد تدميرٍ لكامل القطاع، وبعد قتلٍ وتجويعٍ وتشريدٍ لأهله، خرج علينا ماكرون بهذا التصريح المزلزل، وكلّ التقدير له عليه. وأنه التزام فرنسي تجاه قيام دولة فلسطينية. لكن، أكان ينتظر ماكرون، أو حتى غيره، كل هذا الحاصل منذ أكثر من عامين، وأكثر من خمسة وسبعين سنة، حتى يقتنع ليخرج علينا بهذ الاعتراف الرسمي، والذي قد يكلفه الكثير، وربما شخصيًّا؟! أم أن ماكرون قد أدرك يقينًا بأن القطاع، وربما كامل، فلسطين، قد انتهى أمرهما تمامًا فخرج علينا بهذا الاعتراف ليغسل يدي فرنسا من دماء أطفال فلسطين الأبرياء ونسائهم وشيوخهم، أمام التاريخ؟! وأن فرنسا بريئة من هذا العار الذي سيخلّده الزمان، وذاكرة الأجيال. على نحو يذكرنا بيانه الثلاثي مع فرنسا وكندا، مايو الماضي (2025م)، والمندِّد باستمرار الحرب، وضرورة وقفها فورًا حينها. اللافت أن إسرائيل وردًّا على هذا البيان الثلاثي وقتها كالت فيه السّباب لبريطانيا كيلًا، قائلة في تهكّم: لقد ولّى زمن الانتداب البريطاني منذ 77 عامًا، بل وصفت موقفها حينها بالمخزي. وهو ما تعرضتُ له في مقالتي وقتها بعنوان (جزاء بلفور … جزاء سِنمّار !!!). وعندما أعلن ماكِرون عزمه الاعتراف بها قبل مدة، وعقب زيارته لمصر إبريل الماضي 2025م، في مؤتمرٍ دولي دعا إليه، توعدت قراره واعترافه بسلّة المهملات. واللافت، أيضًا، أن هذا المؤتمر تأجل عن موعده بسبب اعتدائها الأخير على إيران قبل انعقاده بأيام. تلك الحرب، والتي أُرْغِمت فيها على التوقف –فقط بعد اثني عشر يومًا- جرّاء ما تكبدتها من خسائر مادية و إستراتيجية فادحة. وكأن أحد أسباب توقيت هذا الاعتداء هو تعطيل هذا الاجتماع.
لكنْ، وأيًّا كانت وُجهة ماكرون من اعترافه هذا، التزامًا دوليًّا قانونيًّا، وأدبيًّا إنسانيًّا، أم تلميعًا لسمعتها تاريخيًّا، أم تبرئة ساحتها أمام داخلها والعالم والتاريخ، أم غير ذلك، إلا أننا ومن منظور إستراتيجيّ، نثمّن هذا الاعتراف، ونقدّره، ونقبلُه، وندعو للبناء عليه، بل نقبل كلّ اعترافٍ وبيانٍ وقرارٍ يفضح هذا الوحش البربري، ومَن وراءه، ويساعد أهلنا الفلسطينيين في نَيْل حقوقهم المشروعة، وقيام دولتهم المستقلة، على حدود (يونيو 1967م). ومع كل ما تقدم، وحتى يحين اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر المقبل، يكون السؤال: أيأمَنُ ماكْرون حتى وقتها وماكِرون هناك يمكُرُون؟!










