في عام 2002 نشرت جريدة الأهرام مقالاً لنا بذات العنوان ودعا إلي كتابته حينذاك إرتكاب إسرائيل لثلاثة مشاهد بشعة لإغتيال أطفال فلسطينيين ، حيث إنتفض العالم عندما إغتالت رصاصات الغدر الإسرائيلية الطفل محمد الدرة بوحشية غير مسبوقة وهو في حضن والده ، كما إهتز الضمير العالمي عندما إستشهدت الطفلة إيمان حجو الرضيعة ذات الأربعة أشهر عندما إنتزعت قذيفة صهيونية حقها في الحياة وإغتالت معها براءتها وطفولتها لدرجة عبرعنها السيد (لاري لارسن) مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بأنه شعر بالصدمة لحادث إستشهادها . أما المشهد الثالث ، فهو قيام أحد القناصة الصهاينة بإغتيال الطفل محمد الشاعر صاحب الإثني عشر عاماً برصاصة في صدره على مرأى ومسمع من زملائه وهو في مقاعد الدراسة في فصل بإحدى المدارس وبصورة وحشية مازالت محفورة في ذهن زملائه ، هؤلاء وغيرهم من أطفال فلسطين سقطوا شهداء ضحية الأعمال الوحشية والنازية للجيش الإسرائيلي على نحو يجسد وبشكل قاطع عقيدة إغتيال أطفال فلسطين بإعتبارهم شباب المستقبل بل وقتل وإغتيال كل فلسطيني يعيش على أرضه ووطنه ، وما قامت به إسرائيل في قطاع غزة على مدى ما يقرب من عامين من قتل وإغتيال ومجازر لسكان القطاع حتى بلغ عدد الشهداء أكثر من ستين ألف وعدد الجرحى والمصابين أكثر من مائة ألف معظمهم من النساء والأطفال وبلغت نسبة ما تم تدميره من مباني القطاع ومرافقه ومؤسساته ما يقرب من سبعين في المائة مستخدمة في ذلك جميع أنواع الأسلحة وأخطرها بما في ذلك المحرمة دولياً هادفة لتحويل القطاع إلي مكان غير صالح للحياة تمهيداً لتهجير سكانه وفق خطط جرى الإعلان عنها أمام العالم أجمع والبحث عن دول لإستقبال المهجرين من القطاع أصحاب الأرض الحقيقيين في مؤامرة تم التخطيط لها وتنفيذها في ظل صمت دولي مخز وعار على الإنسانية خاصة الدول الغربية التي لم تتحذ إجراءات لردع العدوان ووقفه. وإستكمالاً لمخطط التهجير القسري قامت إسرائيل بفرض حصار خانق على القطاع ومنعت إعتباراً من 2 مارس 2025 دخول الطعام والماء والدواء والوقود وغيرها أي القتل جوعاً ليس فقط لأطفال غزة وهم أكثر الضحايا بل لكل سكان القطاع أي الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ، والبيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية في غزة صادمة ومفزعة ، فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي في 21/7/2025 أن تسعين ألف إمرأة وطفل يعانون من سوء التغذية وأن ثلث المواطنين يحرمون من الطعام لعدة أيام وفي 22/7/2025 أعلن المتحدث بإسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) أن الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة يموتون جوعاً وعطشاً ويستغيث بأن هناك طفلاً يموت كل ساعة في القطاع ويصرخ بأن ما يحدث في غزة غير مسبوق في العالم ، وفي ذات الوقت وبتاريخ 24/7/2025 يعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بأن جزءاً كبيراً من سكان غزة يتضررون جوعاً وما يحدث في غزة يمثل مجاعة جماعية من صنع الإنسان ، وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الصحية بغزة في 23/7/2025 بأن هناك 900 ألف طفل في غزة يعانون الجوع ، 70 ألف منهم دخلوا مرحلة سوء التغذية ، وأن عدد وفيات المجاعة إرتفع إلي 123 حالة وفاة منهم 83 طفلاً ، وأن الأيام الثلاثة الأخيرة وحدها شهدت وفاة 21 طفلاً بسبب سوء التغذية ، يحدث ذلك في نفس الوقت الذي تقف فيه مئات الشاحنات الحاملة للمواد الغذائية على مداخل المعابر في إنتظار السماح لها بدخول القطاع ، وقيام الجيش الإسرائيلي بمنع ذلك لعدة أشهر مما أدى إلي قيام القوات الإسرائيلية بإتلاف حمولة ألف شاحنة من هذه الشاحنات بحجة تلفها لإنتظارها مدة طويلة وفقاً لما أعلنته هيئة البث الإسرائيلية بتاريخ 25/7/2025. والأعمال الوحشية التي قامت بها إسرائيل في قطاع غزة تشمل جريمة الإبادة الجماعية وفقاً للمادتين الثانية والثالثة من إتفاقية الإبادة الجماعية الصادرة عام 1948 ومن صورها القتل وإلحاق الضرر الجسدى والروحي وإخضاع الجماعة لظروف معيشية يراد بها تدميرهـــا
والنقل القسري وتســــــــري قواعد هذه الإتفاقية على جميع الدول ومنها إسرائيل حتى ولم تكن قد إنضمت إليها لأن القواعد الواردة بها أساسها قواعد القانون الدولي العرفي . كما إرتكبت إسرائيل جرائم حرب طبقاً لإتفاقيات جنيف الأربع الصادرة عام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين الصادرين عام 1977، وتشمل هذه الجرائم التطهير العرقي والقتل العمد والإبعاد والنقل القسري لسكان القطاع ونقلهم بين شمال ووسط وجنوب القطاع تمهيداً لإبعادهم خارج القطاع وترحيلهم إلي دول أخرى . كذلك إرتكبت إسرائيل جرائم ضد الإنسانية وفقاً للمادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد عام 1998 ، وتشمل هذه الجرائم الإعتداءات على المدنيين والقتل العمد والإبادة ومن صورها الحرمان من الحصول على الطعام وتعمد فرض أحوال معيشية تؤدي إلي إهلاك جزء من السكان ، والإبعاد والنقل القسري لهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية ، والأعمال اللا إنسانية التي تتسبب عمداً في المعاناة وإلحاق الأضرار بالجسم والصحة . إن الظروف الكارثية التي يعيشها أطفال غزة وسكانه بسبب الجوع والعدوان المستمر على القطاع الذي يعيش سكانه في ربع مساحته أصبحت تستوجب تدخلاً دولياً لوقف فوري للعدوان ، وقد تعالت أصوات المنظمات الدولية العاملة في القطاع والأمين العام للأمم المتحدة خاصة مساعدته للشئون الإنسانية وكذلك بعض الدول الغربية ولكن دون أن يصاحب ذلك إجراءات رادعة لوقف العدوان وإدخال المساعدات الإنسانية وفقاً لإحتياجات سكانه وتوزيعها من قبل المنظمات الدولية المختصة خاصة منظمة (ألأونروا) وبما يحفظ الكرامة الإنسانية لسكانه فهل تتخلى إسرائيل عن مخططاتها العدوانية وتستجيب لصوت المجتمع الدولي وتوقف العدوان وتسحب قواتها من القطاع ؟
نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بالمعاش










