تنص المادة الأولي المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م، بالإضافة إلى المادة 1/1 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، على أن الأطراف في النزاع المسلح ملزمة بـ”احترام وضمان احترام” قواعد القانون الدولي الإنساني “في جميع الظروف.” ومن المقبول به على نطاق واسع أن المادة الأولي المشتركة تشمل حظر التحريض على انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
ووفقًا لتعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن السبب وراء هذا الالتزام السلبي هو أنه “سيكون من المتناقض أن تلزم المادة الأولى المشتركة الأطراف المتعاقدة باحترام وضمان احترام القانون الدولي الإنساني من قبل قواتها المسلحة مع السماح لها بالمساهمة في انتهاكات من قبل أطراف أخرى في النزاع.”
يعني ذلك أن الدولة ستنتهك هذه القاعدة في حالة النزاع المسلح إذا قامت بنشر معلومات تحرّض المقاتلين أو المدنيين على مهاجمة وإيذاء المدنيين الآخرين، على سبيل المثال في حالة العنف العرقي في إطار الحرب الأهلية. وعلى الرغم من أن بعض كتيبات قانون الحرب للقوات المسلحة، مثل دليل القانون الألماني للنزاع المسلح، يستخدمون مصطلح “التحريض”، إلا أنه لا يجوز أن يكون هناك فرق كبير بين التشجيع الصريح والضمني لانتهاك القانون الدولي الإنساني. وبالتالي، يُمكن القول بأن التحريض يمكن أن يتم من خلال نشر معلومات زائفة محفزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولإيضاح الدور التحريضي الذى يمكن أن يلعبه التضليل الرقمي في النزاعات المسلحة نسوق المثال التالي :
لنفترض أن الدولة “أ” تدور فيها حرب أهلية طويلة الأمد تستند لأسس عرفية. يبدأ الجيش، الذي يتكون أساسًا من أفراد ينتمون إلى مجموعة الأغلبية العرقية، في استخدام إحدى منصات التواصل الاجتماعي، التي تعمل كوسيلة مهيمنة للاتصال والمعلومات في الدولة “أ”، لنشر معلومات مضللة مهينة للإنسانية حول إحدى مجموعات الأقليات العرقية التي تعتبر الحكومة أنها ليست جزءًا من “الشعب الشرعي للدولة أ.” وكنتيجة جزئية على الأقل لحملة التضليل المستمرة، تتزايد بشكل كبير المواقف العدائية الصريحة تجاه الأقلية بين الأغلبية السكانية.
بعد أن عانى الجيش من بعض النكسات في عملياته القتالية ضد مختلف الجماعات المتمردة، بدأ في نشر شائعات كاذبة حول قيام بعض أفراد الأقلية باغتصاب امرأة تنتمي إلى الأغلبية العرقية. هذه المعلومات الكاذبة، التي تنتشر بسرعة وعلى نطاق واسع عبر المنصة، تؤدي إلى أعمال عنف شديدة ضد الأقلية من قبل أفراد مدنيين من الأغلبية السكانية.
والواقع ان هناك أسباب وجيهة للاستنتاج بأن هذه الأنواع من التضليل المحفز للعنف في حالة النزاع المسلح ستشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، وتعد ميانمار المثال الصارخ على العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي وارتكاب الفظائع. حيث تم تضخيم اللغة اللاإنسانية والتحريض الصريح على القتل الجماعي عبر فيسبوك وتويتر، مما ساهم في استهداف أقلية الروهينجا المسلمة على نطاق واسع. لذلك اصدر موقع فيسبوك تقريراً يتعلق بمقتل الروهينجا، وخلص إلى أن “فيسبوك أصبح وسيلة لأولئك الذين يسعون إلى نشر الكراهية والتسبب في الأذى.”
فقد تم تحويل الشبكة الاجتماعية فيسبوك الى أداة للتطهير العرقي، من خلال قيام أفراد من جيش ميانمار بقيادة حملة منظمة على فيسبوك استهدفت أقلية الروهينجا ذات الأغلبية المسلمة في البلاد. فأنشأ مئات الافراد العسكريين حسابات مزيفة على الفيسبوك مخبأة وراء أسماء وهمية، حيث انشأوا حسابات متصيدين وصفحات اخبار ومشاهير ثم اغرقوها بالتعليقات والمشاركات التحريضية المخصصة لذروة المشاهدات مستغلين الانتشار الواسع لاستخدام الفيسبوك في ميانمار، ونقص الوعي لدى العديد من مستخدمي الإنترنت في البلاد البالغ عددهم 18 مليونًا والذين يخلطون بين مواقع التواصل الاجتماعي في وادي السيليكون والإنترنت.
وتلقي جماعات حقوق الإنسان باللوم على الدعاية المناهضة للروهينجا في التحريض على جرائم القتل والاغتصاب وأكبر هجرة بشرية قسرية في التاريخ الحديث. ومن الأمثلة أيضا على ان المعلومات المضللة التحريضية التي يتم الترويج لها على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تتحول بسرعة إلى أعمال عنف، الدور الذى لعبه خطاب الكراهية والتحريض على مواقع التواصل الاجتماعي في جمهورية أفريقيا الوسطى حيث أدى إلى تأجيج دورات الفظائع بين المسيحيين والمسلمين في السنوات الأخيرة. وفي الهند، أدت وسائل التواصل الاجتماعي إلى تنشيط القومية الهندوسية العدوانية والإقصائية، حيث أدت الشائعات وخطاب الكراهية المنتشرة على تطبيق واتساب إلى عدد من هجمات الغوغاء على المسلمين. وفي سريلانكا، بالمثل، أثارت الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي هجمات مناهضة للمسلمين، والتي عادت لتشتعل في أعقاب تفجيرات كنيسة وفنادق عيد الفصح التي نفذها تنظيم داعش في أبريل.2019
التحريض في سياق القانون الجنائي الدولي هو فعل خطابي يحث الجمهور المستهدف عقليًا على التصرف بطريقة ضارة – وهو ما يشبه التضليل بهذا المعنى –وفقًا للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا (ICTY) والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR) يجب أن تكون هناك “علاقة سببية بين التحريض والفعل الإجرامي1″؛ وهذا يعني أن التحريض يجب أن يكون قد “ساهم بشكل مباشر وجوهري” في ارتكاب الشخص الآخر للجريمة الموضوعية2. أو يجب أن يكون على الأقل “عاملًا مساهماً واضحاً.”
ومع ذلك، ليس من الضروري إثبات أن الجريمة لم تكن لتحدث دون تورط المتهم، أي أن الادعاء العام ليس بحاجة لإثبات أن الجريمة لم تكن ستحدث لولا تصرفات المتهم، ويجب أن يكون المحرض على علم بالاحتمال الكبير بأن يكون ارتكاب جريمة نتيجة محتملة لأفعاله. “
فالتحريض هو خلق جو من العنف والكارهة، يؤدي إلى تصميم من وجه اليه على ارتكاب الجريمة التي يسعى المحرض إلى تحقيقها، وانتشار شبكة الإنترنت في كل مكان والفرص التي توفرها لنشر الرسائل التحريضية قد أدى إلى تفاقم هذا الخطر إلى حد كبير.
كما تنص المادة /3/25 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن ” وفقاً لهذا النظام الأساسي” يسأل الشخص جنائياً ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي: ( التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ” ويلاحظ هنا أن نظام روما الأساسي عاقب على التحريض المباشر والعلني كجريمة مستقلة، وهو ما يختلف عن التحريض كأحد صور الاشتراك والذي نصت عليه المادة /3/25ج والذى يشترط لإيقاع العقاب عليه ان تقع الجريمة محل التحريض.
والتحريض هو شكل من أشكال الإجرام غالباً ما سيتم ارتكابه عن طريق نشر معلومات مضللة تبعث على الكراهية حول مجموعة مستهدفة.
وقد أكد مجلس حقوق الانسان ان التضليل الرقمى يعد تحريض وذلك في تقريره حول ميانمار حيث أشار الى ان ” لا شك أن خطاب الكراهية ضد المسلمين بشكل عام، والروهينجا بشكل خاص، منتشر بشكل كبير في ميانمار. ويشمل ذلك الدعوة المحظورة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف. وقد شهدت البعثة قدرًا هائلًا من خطاب الكراهية عبر جميع أنواع المنصات، بما في ذلك وسائل الإعلام المطبوعة والبث الإذاعي والنشرات والأقراص المضغوطة وأقراص الفيديو الرقمية والأغاني وصفحات الويب وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي. على سبيل المثال، واجهت البعثة أكثر من 150 حسابًا عامًا على الإنترنت وصفحات ومجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي تنشر بانتظام رسائل تصل إلى حد خطاب الكراهية ضد المسلمين بشكل عام أو الروهينجا
بشكل خاص. ونظراً لهيمنة فيسبوك في ميانمار، أولت البعثة اهتماماً خاصاً لعدد من حسابات فيسبوك التي يبدو أنها مؤثرة بشكل خاص بالنظر إلى عدد المتابعين )جميعهم أكثر من 000 10، ولكن بعضهم يزيد عن مليون(، والمستويات العالية من تفاعل المتابعين مع الشبكة. المشاركات )التعليق والمشاركة(، وتكرار المشاركات الجديدة )غالبًا يوميًا، إن لم يكن كل ساعة.( بالإضافة إلى هذه الروايات، يستمد هذا الفصل أيضًا من حالات خطاب الكراهية التي تمت مواجهتها بشكل عشوائي”
كما تضمن بيان أكسفورد الرابع بشأن حماية القانون الدولي في الفضاء السيبراني: تنظيم عمليات وأنشطة المعلومات في البند 9 النص على ان ” القيام بعمليات أو أنشطة إعلامية سوف يرقى إلى مستوى الجرائم الدولية، مثل الإبادة الجماعية، بما في ذلك التحريض المباشر والعلني عليها، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، عندما تتحقق أركان تلك الجرائم ” .
الا ان العقبة التي ستحول دون فعالية اعتبار نشر المعلومات المضللة اثناء النزاعات المسلحة تحريض انه من الصعب الربط بين المعلومات المضللة والجرائم المرتكبة، لذا يري بعض الفقه- اتفق معه – ان نشر المعلومات المضللة يمكن اعتباره من قبيل تشجيع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، فحظر تشجيع انتهاكات القانون الدولي الإنساني أوسع بكثير من تجريم الأمر بارتكاب جرائم الحرب أو التحريض عليها، وذلك لعدة أسباب :
1 عمليات أكسفورد بشأن حماية القانون الدولي في الفضاء الإلكتروني هي مبادرة من معهد أكسفورد للأخلاق والقانون والنزاع المسلح (ELAC) في كلية بلافاتنيك للحكومة والتي تم إطلاقها في مايو 2020 بالشراكة مع .Microsoft هي عبارة عن جهد تعاوني بين خبراء قانونيين دوليين من جميع أنحاء العالم يهدف إلى تحديد وتوضيح قواعد القانون الدولي المطبقة على العمليات السيبرانية عبر مجموعة متنوعة من السياقات، وقد اسفرت عن خمسة بيانات منها بيان أكسفورد الرابع بشأن حماية القانون الدولي في الفضاء السيبراني: تنظيم عمليات
أولًا: في حين أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يجرم الأفعال التي تأمر بارتكاب جرائم حرب أو تحرض عليها أو تحث عليها فإن الحظر هنا يقتصر على عدد محدود فقط من انتهاكات القانون الدولى الانساني – في حين حظر التشجيع على انتهاكات القانون الدولي الإنساني يشمل كل قواعده.
ثانيًا: في حين أنه بموجب القانون الجنائي الدولي، لا يمكن مقاضاة الأمر بارتكاب جرائم حرب أو التحريض عليها أو التحريض عليها إلا إذا حدثت هذه الجريمة بالفعل أو تمت محاولة ارتكابها، فإن القانون الدولي الإنساني يحظر فعل التشجيع ولا يشترط أن يؤدي هذا التشجيع إلى ان يؤدى الى ارتكاب جرائم يحظرها القانون الدولي الجنائي.
ثالثًا: تختلف العمليات المحظورة باعتبارها تشجيعًا على انتهاك القانون الدولي الإنساني عن السلوك الذي يمكن وصفه بأنه التماس أو تحريض على ارتكاب جرائم حرب. يُفهم تشجيع شخص ما بشكل عام على أنه “تقديم الدعم” أو “المساعدة أو تحفيز” السلوك المرغوب.
استخدمت محكمة العدل الدولية كلمة “التشجيع” بالتبادل مع كلمة “التحريض” على انتهاك القانون الإنساني الدولي في “الظروف التي يكون من المتوقع فيها ارتكاب مثل هذا الانتهاك2.” وعلى النقيض من ذلك،
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










