أن إسرائيل تعمل بشكل متصاعد على استهداف مواقع تابعة للجيش السوري، في إطار خطة ممنهجة تهدف إلى تفكيك الدولة الوطنية السورية، خاصة مع تكرار الضربات ضد منشآت وزارة الدفاع، واستمرار احتلالها لأراضٍ سورية دون أي نية للانسحاب.
أن المخطط الإسرائيلي الجديد يستهدف الأمن القومي السوري بشكل مباشر، ويعكس نوايا صريحة لفرض مشروع تقسيمي خطير في المنطقة، ما يتطلب وقفة عربية جادة لمواجهة هذا التهديد والحفاظ على وحدة سوريا أرضًا وشعبًا. لا توجد دولة على وجه الأرض تخلو من أقليات؛ فالتعددية جزء أصيل من التكوين البشري، والاختلاف لا يعني الانفصال، بل هو ما يصنع هوية الوطن الجامعة، والشواهد التاريخية تثبت أن الأقليات، مهما بدت صغيرة، لا يمكن تهميشها بسهولة؛ بل إنها كلما شعرت بالخطر، تداعت نحو مركزها، وتمسّكت بهويتها، وملأت الدنيا ضجيجًا من منطلق شعورها الغريزي بالتهديد… مهما كانت ظروف القمع والقتل.
إن ما يجري في مدينة السويداء السورية يشير إلى تحركات مشبوهة وخطيرة تستهدف وحدة الدولة السورية، أن التواجد الأمني الرسمي في المدينة كان ضعيفًا منذ فترة طويلة، حيث اعتمدت المنطقة على نوع من الإدارة المحلية الذاتية، ما فتح الباب أمام محاولات خارجية للتدخل
أن عدد أبناء الطائفة الدرزية داخل سوريا يقدر بحوالي 700 ألف نسمة، يتركزون في السويداء وجرمانا ومناطق أخرى، إلى جانب نحو 200 ألف في لبنان و153 ألفًا داخل إسرائيل، وهو ما تحاول تل أبيب توظيفه لتوسيع نفوذها داخل الأراضي السورية.
وفي أحداث السويداء الأخيرة، شاهدنا كيف يحاول الكيان الإسرائيلي توظيف “الأزمة” كأداة للتفكيك والفوضى.. وهو سلوك متوقّع من كيان لم يعرف يومًا حدودًا طبيعية، إلا من خلال معادلات القوة والعنف.. فإسرائيل، منذ نشأتها، لم تُبنَ على مشروع سلام، بل على سياسة “فرض الأمر الواقع بالقوة”، ولذلك لا تجد وسيلة للبقاء سوى بتصدير أزماتها، وتأجيج الانقسامات في محيطها، كجزء من استراتيجيتها للبقاء..
وما تفعله حكومة نتنياهو ليس جديدًا، لكنه نهج جديد يقوم على استغلال ورقة “الأقليات” من باب الاستثمار السياسي في الانقسام، والعبث باستقرار الدول، وجرّها إلى الصدام الداخلي.. وكلنا نعلم أن إسرائيل لا تهتم بالدروز، ولا بأي أقلية أخرى؛ وإنما تهتم فقط باستخدامهم كأدوات لتنفيذ مآربها، وتبرير عربدتها تحت أنظار المجتمع الدولي، وهذا ليس مستغرَبًا من كيان هو أحد أكثر مشاريع الإقصاء والتمييز والعدوان دموية في العصر الحديث، لا يعيش إلا في ظل الاحتلال والعدوان، ويُجمّل جرائمه بأكذوبة “الدفاع عن النفس”. تقوم “عقيدة المحيط” على استراتيجية مزدوجة تعتمد على تطويق المنطقة بحزامين من التوترات، يستهدف الأول تأزيم العلاقات بين الدول العربية وجيرانها الإقليميين (خاصة من الدول الإسلامية غير العربية)، مما يشغل هذه الدول بصراعات بعيدة عن إسرائيل ويستنزف مواردها في نزاعات جانبية.
أما الحزام الثاني، فيرتكز على توظيف أقليات الشرق الأوسط، خاصة في النطاق المحيط بفلسطين، عبر فصلهم عن مجتمعاتهم وربطهم بمعادلة الأمن الإسرائيلي، مما يدفعهم للتحالف مع تل أبيب، تحت ضغط المخاوف التي غذتها إسرائيل بنفسها منذ البداية.
هذا النهج لم يكن مجرد نظرية، بل خطة عملية تجسدت في بناء إسرائيل شبكة من التحالفات مع دول غير عربية، مثل تركيا وإثيوبيا وإيران خلال عهد الشاه في محاولة لعزل هذه الدول عن جيران إسرائيل العرب، فضلا عن دعم جماعات محلية مثل الأكراد في العراق، والدروز في سوريا، والموارنة في لبنان، وحركات التمرد في جنوب السودان ودارفور.
ولم يكن الهدف الفعلي هو دعم هذه الأقليات أو “تحريرها”، بل تحويلها إلى أدوات تخدم المصالح الإسرائيلية عبر شعارات وعناوين برّاقة.
كان السودان هو المثال الأوضح لتطبيق هذه السياسة، ودفع ثمنها على المدى الطويل، حيث دعمت إسرائيل متمردي أنيانيا بالأسلحة والتدريب، بغية استنزاف السودان وتشتيت موارده في نزاع ممتد.
وحينما حصل جنوب السودان على استقلاله عام 2011، لم يجلب هذا الاستقلال استقرارًا، إذ سرعان ما انزلقت البلاد في حرب أهلية جديدة عام 2013، وهي نتيجة طبيعية لإرث الصراع والتسلح الذي تمت تغذيته لعقود طويلة.
أن العالم العربي تم تقسيمه من قبل إسرائيل إلى أربع دوائر جيوسياسية، مع تحديد آلية التعامل مع كل منها، بغرض ضمان هيمنة إسرائيل الإقليمية. ففي الدائرة الأولى منطقة الهلال الخصيب، حيث سوريا والعراق والأردن، تعمل إسرائيل على تقسيم سوريا إلى دويلات عرقية وطائفية: دولة علوية على الساحل، وأخرى سنية في حلب، وثالثة سنية معادية لها في دمشق، ورابعة درزية في حوران والجولان.
أما العراق، فيقُسّم في الرؤية الإسرائيلية إلى دولة شيعية في الجنوب حول البصرة، وسنية حول بغداد، وكردية في الشمال حول الموصل، مع الحرص على ألا تتحول الثروة النفطية إلى تهديد لأمن إسرائيل. لبنان بدوره خُطّط أيضًا لتقسيمه إلى خمس مناطق طائفية: درزية في الشوف، ومارونية في كسروان، وشيعية في الجنوب والبقاع، وسنيّتين في طرابلس وبيروت.
الدائرة الثانية تضم مصر والسودان، حيث تسعى إسرائيل إلى زعزعة مكانة مصر في قيادة العالم العربي، عبر إذكاء التوترات الطائفية، وتقويض الدولة المركزية، ودفع البلاد نحو التفكك إلى كيانات هشة بلا سلطة موحدة.
منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل في 13 يونيو 2025، تصدرت الأبعاد العسكرية والسياسية المباشرة المشهد التحليلي والإعلامي، في ظل الاهتمام الواسع بتأثيرات هذه المواجهة على معادلات الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية. لكن في خضم هذا التركيز، برزت قضايا أخرى على هامش المشهد، لا تقل أهمية عن ساحات القتال التقليدية، وفي مقدمتها محاولات استثمار الأزمات الداخلية داخل إيران كأوراق ضغط موازية في هذه الحرب المفتوحة.
: وفي هذا السياق، تبرز إلى السطح قضية توظيف “ورقة الأقليات” كإحدى أدوات الضغط على إيران، خاصة في ظل محاولات أطراف إقليمية ودولية استغلال التوترات الداخلية في إيران لزيادة الضغط على النظام الإيراني، سواء عسكريًا أو سياسيًا أو نفسيًا، أو عبر آليات التوظيف الاستخباراتي للأزمات الداخلية. وتعد “القضية البلوشية” واحدةً من أبرز تلك الأوراق الممكن استخدامها في هذا الإطار، بالنظر إلى خصوصية موقع إقليم بلوشستان، وطبيعة سكانه، ووجود تنظيمات مسلحة معارضة للنظام الإيراني تنشط من هذا الإقليم، وعلى رأسها تنظيم “جيش العدل”، المصنف كتنظيم إرهابي.
يقع إقليم بلوشستان في أقصى الجنوب الشرقي للهضبة الإيرانية، ضمن منطقة استراتيجية من جنوب غرب آسيا، حيث يتوزع بين ثلاث دول رئيسية هي إيران وباكستان وأفغانستان. تشكل محافظة “سيستان وبلوشستان” الامتداد الإيراني لهذا الإقليم، وتعد من أكبر محافظات البلاد، وعاصمتها مدينة زاهدان. أما القسم الباكستاني منه فهو إقليم بلوشستان الباكستاني وعاصمته كويتا، بينما يمتد جزء آخر إلى جنوب أفغانستان، خاصة في ولايات نمروز وهلمند وقندهار.
وبالنسبة للقسم الإيراني من الإقليم، تقع محافظة سيستان وبلوشستان في الركن الجنوبي الشرقي من إيران، وتشترك في حدود طويلة مع كل من باكستان وأفغانستان، بالإضافة إلى إشرافها على بحر عمان عبر ميناء تشابهار، الذي يمثل ركيزة في الطموحات الاقتصادية الإيرانية للوصول إلى الأسواق الآسيوية والمحيط الهندي.
ويشكل البلوش الأغلبية العرقية في هذه المحافظة، وهم جماعة قومية تتحدث اللغة البلوشية وتنتمي إلى المذهب السني؛ مما يضعهم في موقع اجتماعي وسياسي حساس داخل دولة ذات غالبية شيعية. حيث أدى هذا التباين العرقي والمذهبي إلى تراكم مظاهر التهميش الاقتصادي والسياسي؛ مما خلق بيئة حاضنة لنشوء حركات احتجاجية وتنظيمات مسلحة مناهضة للسلطة المركزية الإيرانية.
ومن الناحية الأمنية، تعد المحافظة نقطة عبور نشطة لشبكات التهريب المنظمة، سواء في تجارة المخدرات أو السلاح أو البشر، مستفيدةً من الطبيعة الجغرافية الصعبة والحدود الطويلة مع دول الجوار. كما تعد “سيستان وبلوشستان” واحدةً من أكثر المحافظات اضطرابًا أمنيًا داخل إيران، مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وعلى رأسها تنظيم “جيش العدل”، الذي يمثل أحد أبرز التحديات الأمنية للنظام الإيراني، خاصة مع تكرار هجماته على مواقع عسكرية وأمنية ومنشآت حكومية إيرانية؛ مما جعله صداعًا مزمنًا للأجهزة الأمنية الإيرانية على مدار السنوات الماضية.
وتكتسب أهمية التركيز على هذا التنظيم تحديدًا من كونه الأكثر نشاطًا وجرأة في استهداف المؤسسات الأمنية الإيرانية، فضلًا عن أنه يحمل مشروعًا سياسيًا وأمنيًا واضحًا يستهدف النظام الإيراني من داخل خاصرته الشرقية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية المحيطة بإيران، يصبح الحديث عن هذا التنظيم ضروريًا لفهم إمكانات توظيف الورقة البلوشية في أي استراتيجيات ضغط أو استنزاف ضد طهران خلال المرحلة المقبلة.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










