في باص سياحي مزدحم ، كانت تشق طريقها بين المقاعد تبحث عن مكان منزو لتنعزل مع اثقالها غير المرئية كعادتها ، وفي المقعد ماقبل الأخير لمحت عيناها مكانا يحتل جانبه الأيمن رجل في اربعينه، قامته الفارعة وضخامة جسده لم يترك للمقعد الخالي بجانبه سوى مايمكن أن يلم مابقي من رمادها الذي يسير على قدمين .
لم يكن لها خيار آخر أو هذا ماسمحت به عيناها الممتلئتان بالدموع أن تبصره ،سالت:
أيمكنني الجلوس؟
أجاب :
بالطبع ،تفضلي
همد جسدها اللين تحت فستانها الفضفاض حالك السواد على المقعد وأرخت رأسها المثقل ومالت به إلى الخلف قليلا ،فماعاد لهذا الرأس الجميل من طاقة لينوء بثقل مايحمل.
الباص يسير، الرجل ينظر من النافذة مبتهج بما يرى من جبال شاهقة بلون الزمرد الأخضر ،نهر وسواق ،مياه تمنح للسماء زرقتها الصافية ،فجأة التفت إلى يساره قليلا ليحدث الكتلة الصماء القابعة قربه وهي منكمشة على نفسها، وقبل أن يسعفه لسانه بنطق أول حرف صعقته دمعة كانت تنحدر بسكون غريب على خد رفيقة مقعده الغريبة .
عيناها مسمرتان نحو النافذة ،تتبعان الجنان في الخارج ،كانت ترى ولا ترى ، جسد يملأ المقعد ،دمعات تنهمر بلا استئذان ،هي خيال امرأة كانت تتنفس يوما.
همس الرجل : اعذري تطفلي ،إن أردت إلا تجيبي فهذا لك ،لكني لمحت دمعة تبدو ساخنة تنحدر على وجهك الملائكي ،هل لي أن اعرف مالسبب ؟!
انتبهت من ذكرياتها ومدت كفا مرتعشة لتمسح سريعا عن وجنتيها غبار الحنين ،ثم قالت :
لاشيء ،مجرد ذكرى عابرة .
حاول أن يشبع فضول بدأ يتأجج داخل نفسه،سأل:
ماهو عملك ؟
صمتت،وابتسمت نصف ابتسامة ثم عادت لتنظر عبر النافذة ترى ولا تبصر.
الباص يسير ، النهر يزداد زرقة ،الأغنيات المنبعثة من المذياع في الباص تزداد صخبا ،والرجل بجانبها يزداد فضولا ،أخيرا قال:
اعذريني ،لكن منظر دمعتك المنحدرة بكل هذا السكون شيء مبهر ،لوحة هي مزيج من الحزن الأنيق والحسن الساحر ،شيء لا يمكنني نسيانه ما حييت .
هل لي بسؤال أخير ،ماسر هذه الدموع ،أرملة؟،مطلقة؟، تبكين أمك ؟،اجيبيني ولو بكلمة .
ولتقطع هي ضجيج الفضول رفعت كفها الأيسر في وجه الرجل حيث خاتم الزواج الذهبي يطوق بنصرها دون أن يدفئه أو يحتضن وحدته
ثم حسمت تطفله على ألم أكبر من أن يحكى ، بجملة واحدة :قالت:
( الغموض رداء يستر الغرباء في السفر )
ثم اشاحت بوجهها بعيدا عنه وراحت تنظر نحو اللاشيء.
وفي المحطة الأخيرة توقف الباص ، قفز الجميع تسبقهم ضحكاتهم ، منهم من افترش السجادة الخضراء الشاسعة أسفل المنحدر ، ومنهم من راح يفرغ مثانته بعد احتقانها لثمان ساعات متواصلة ، وحدها هي ،خيال امرأة ،ظل جسد كان يوما حيا ،انزوت بعيدا تدخن سيجارها الوفي ،رفيقها الدائم ،عيناها ترنوان نحو الأفق البعيد بلا سؤال ولا حلم ،بداخلها قوة الانطفاء لا قوة الحياة .
جاءها من خلف كتفيها نفس الصوت الذي شق سكون عزلتها قبل قليل ،لكن هذه المرة كان متطفلا لا فضوليا .
سمعته يقول:
(لا أعرف من هو ،لكن كل ما اعرفه ،إن من يخسر ملاكا ينتحب بلا صوت ، سيبقى خاسرا إلى الأبد ).
التفتت وقد قررت أن ترد على هذا التطفل رغم أنها تعلم أن لاطاقة لها بالرد أصلا ، فوجدته قد ابتعد وهو ينفث دخان سيجارته الأخيرة ، وقد انقضت الإستراحة ،وهدر زمور الباص بنداءه الأخير ، عاد الجميع إلى مقاعدهم وفي رئاتهم نسيم الجبل والبحر ، شرودها كان أعمق من أن يقطعه أي صوت آخر ولم تنتبه إلا على لسعة جمر عقب السيكار وقد تآكل حتى آخره بين اصبعيها الشاحبتين.
وكالعادة كانت آخر من وضع قدمه في الباص قبل أن ينطلق ،لامكان لها بالتأكيد ،لمحت كف الرجل نفسه وهو يلوح لها من بعيد ويشير إلى مقعده قرب النافذة ،تركه هذه المرة لها ، جلست،جسدها يحتضنه المقعد ، وروحها تتجمد بردا ،عادت الدمعة لتنزلق على خد تعود طعم الملح في الدموع ، كانت ترى شفاه الرجل بجانبها تنفتح وتنغلق ،بالتأكيد هو يحدثها،ربما يسأل،لكنها لم تكن تسمع إلا صوتا واحدا ،صوتا يقاوم الصمت ،صوت فارقته إلى غير رجعة ، لكن صداه سيبقى يرن ويصم أذنيها عن جميع الأصوات في هذا العالم .










