ظاهرة التسول في مصر هي مشكلة اجتماعية واقتصادية متجذرة، حيث تنتشر في مختلف المحافظات والمناطق، وتتخذ أشكالًا متعددة بما في ذلك التسول الإلكتروني واستغلال الأطفال. تتسبب هذه الظاهرة في تدهور الصورة الحضارية للمجتمع وتؤثر سلبًا على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية. تختلف في الانتشار والكثافة من محافظة لأخرى تبعًا للظروف الاقتصادية والاجتماعية والكثافة السكانية. فالتسول هو ممارسة يقوم بها الأفراد بطلب المال أو الطعام أو المساعدة من الآخرين في الأماكن العامة، دون تقديم خدمة أو منتج مقابل ذلك. يمكن أن يكون التسول بشكل مباشر من خلال طلب المساعدة بشكل صريح، أو بشكل غير مباشر من خلال عرض حالات بائسة أو استخدام الأطفال لجذب التعاطف.
ومن أسباب تفاقم هذه الظاهرة في مصر ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والنزاعات الداخلية، والهجرة من الريف إلى المدن.
أبرز المحافظات التي تنتشر فيها الظاهرة: 1. القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية):
الأسباب:
الكثافة السكانية العالية (القاهرة وحدها أكثر من 10 ملايين نسمة). وجود مناطق عشوائية وفقيرة بجانب أحياء راقية، مما يجعل التسول “مجدٍ” اقتصاديًا. كثرة الميادين الكبرى (مثل التحرير، رمسيس، الجيزة) والمناطق التجارية. استغلال العصابات للأطفال والنساء في مناطق التجمعات والأسواق.
2. الإسكندرية:
ثاني أكبر مدينة في مصر، ومركز تجاري وسياحي.
توافد سكان من محافظات مجاورة للعمل أو التسول.
انتشار الظاهرة في مناطق الكورنيش، محطات القطار، والأسواق الشعبية.
3. محافظات الصعيد (مثل أسيوط، سوهاج، قنا):
الفقر والبطالة يدفعان كثيرًا من الأسر والأطفال إلى التسول.
هجرة بعض الأسر إلى القاهرة والإسكندرية لممارسة التسول بشكل موسمي.
ضعف فرص العمل والتنمية مقارنة بمحافظات الوجه البحري.
4. المدن السياحية (الأقصر، أسوان، شرم الشيخ):
التسول يتخذ شكلًا “مقنّعًا” من خلال بيع سلع بسيطة أو التصوير مع السائحين.
ارتفاع مستوى السائحين المادي يشجع على هذه الظاهرة.
5. المدن الصناعية الكبرى (المحلة الكبرى، حلوان، العاشر من رمضان):
على الرغم من كونها مناطق عمل، إلا أن وجود عمالة غير مستقرة ووافدين جعل بعض الأسر تمارس التسول بجوار المصانع والأسواق.
? لماذا هذه المحافظات تحديدًا؟
القاهرة والجيزة والإسكندرية: بسبب الكثافة السكانية والاختلاط الطبقي.
الصعيد: بسبب الفقر وضعف التنمية والبطالة.
المناطق السياحية: لاستغلال السائحين ماديًا.
المدن الصناعية: نتيجة وجود عمالة موسمية وفقر بعض الأسر الوافدة.
التسول في مصر قضية اجتماعية واقتصادية معقدة، ولها أبعاد متعددة ترتبط بالفقر، والبطالة، والظروف النفسية والاجتماعية. ويمكن تناولها على النحو التالي:
أولًا: أسباب التسول في مصر
1. الأسباب الاقتصادية:
الفقر وانخفاض الدخل لدى بعض الأسر
البطالة وقلة فرص العمل، خاصة بين الشباب.
ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم كفاية الأجور والمعاشات.
2. الأسباب الاجتماعية:
التفكك الأسري وغياب الرعاية الأسرية.
الطلاق أو وفاة العائل، مما يترك الأطفال أو النساء بلا مصدر دخل.
الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن الكبرى بحثًا عن عمل، ثم العجز عن التكيف.
3. الأسباب النفسية والسلوكية:
استسهال الكسب السريع بلا جهد.
الإدمان أو الانحراف السلوكي الذي يجعل الفرد غير قادر على العمل المستقر.
استغلال بعض العصابات للأطفال والنساء في التسول.
4. الأسباب القانونية والمؤسسية:
ضعف تطبيق القوانين الرادعة لظاهرة التسول.
نقص المؤسسات الإيوائية والتأهيلية المناسبة.
عدم وجود قواعد دقيقة لحماية الأطفال المتسولين.
ثانيًا: طرق علاج التسول
1. الحلول الاقتصادية:
توفير فرص عمل حقيقية تتناسب مع مختلف الفئات، وخاصة البسطاء وذوي المهارات المحدودة.
دعم برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة” وزيادة مظلة الضمان الاجتماعي.
تمويل مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر للنساء والشباب.
2. الحلول الاجتماعية:
تفعيل دور الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني في إيواء وتأهيل المتسولين.
حملات توعية للأسر حول خطورة دفع الأطفال للتسول.
إنشاء دور رعاية متخصصة لإعادة دمج الأطفال المتسولين في التعليم والمجتمع.
3. الحلول القانونية:
تشديد العقوبات على استغلال الأطفال والنساء في التسول.
تفعيل الرقابة الأمنية على “مافيا التسول” التي تدير شبكات منظمة.
تفعيل بدائل العقوبات مثل العمل المجتمعي بدلًا من السجن.
4. الحلول النفسية والتعليمية:
برامج علاج الإدمان وإعادة التأهيل النفسي.
محو الأمية وإعادة دمج الأطفال والشباب المتسولين في التعليم.
حملات إعلامية ودينية لترسيخ قيمة العمل الشريف ونبذ الكسب غير المشروع.
تفاقم الظاهرة في مصر
تتنوع فئات المتسولين في مصر، حيث لا يكاد يخلو شارع في العاصمة القاهرة وغيرها من المدن المصرية من هذه الظاهرة. على الرغم من الحملات الأمنية المستمرة، إلا أن التسول يزداد انتشاراً، مما يدفع البعض للمطالبة بتشديد التشريعات لردع المتسولين عن استغلال “فاعلي الخير” لتحقيق أرباح شخصية.
تشير بيانات وزارة الداخلية المصرية إلى ارتفاع قضايا التسول بنسبة 40% خلال أغسطس الماضي، حيث سجلت 2280 قضية مقارنة بـ1689 قضية في يوليو السابق، كما أسفرت الجهود الأمنية عن ضبط 14202 قضية تسول في سبتمبر 2024 في جميع محافظات مصر. تأتي هذه الزيادة نتيجة الحملات الأمنية المكثفة في الميادين والشوارع الرئيسية بمختلف المحافظات.
كما تُشير بعض التقديرات الصادرة عن مجلس النواب إلى وجود حوالي نصف مليون متسول خلال عام 2017، منهم حوالي 97 ألف طفل، ومع ذلك لا توجد تقديرات محددة ودقيقة لأعداد المتسولين في مصر.
التوزيع الجغرافي للمتسولين في مصر
القاهرة: تتصدر العاصمة المصرية قائمة المدن الأكثر انتشاراً للمتسولين، حيث يبلغ عددهم حوالي 14,400 متسول، وذلك بحسب تقرير صادر عن قسم الجريمة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، حيث تنتشر هذه الظاهرة بشكل ملحوظ في المناطق الحيوية مثل ميدان التحرير ومحطات المترو.
الإسكندرية: تأتي هذه المحافظة في المرتبة الثانية بعد القاهرة، حيث يوجد بها حوالي 9000 متسول يتركزون في المناطق السياحية والأسواق الشعبية.
الجيزة: تحتل الجيزة المرتبة الثالثة، حيث يوجد بها حوالي 7600 متسول ينتشرون في المناطق التجارية والمناطق القريبة من الأهرامات.
الغربية: يبلغ عدد المتسولين في هذه المحافظة تقريبًا 5800 متسول ينتشرون في المناطق الكبرى، مثل طنطا والمحلة الكبرى.
الدقهلية: يوجد بها حوالي 3000 متسول ينتشرون في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء.
ويؤدي انتشار هذه الظاهرة في مصر إلى زيادة معدلات الجريمة واستغلال الأطفال، بالإضافة إلى التأثير السلبي على الاقتصاد المحلي من خلال زيادة الأعباء على الخدمات العامة.
الأوقات المناسبات الأكثر نشاطًا للتسول في مصر
الصباح الباكر: يبدأ المتسولون نشاطهم في ساعات الصباح الباكر، حيث يستهدفون الموظفين والطلاب المتوجهين إلى أعمالهم ومدارسهم.
فترة الظهيرة: تزداد حركة التسول خلال فترة الظهيرة، خاصة في المناطق التجارية والمطاعم، حيث يتواجد عدد كبير من الناس.
المساء: تعتبر فترة المساء من أكثر الأوقات نشاطاً للمتسولين، حيث تزدحم الشوارع والأسواق بالمتسوقين والعائلات.
كما تتزايد ظاهرة التسول في مصر بشكل ملحوظ خلال المناسبات والأعياد، حيث يستغل المتسولون روح العطاء والتعاطف التي تسود بين الناس، ومن أبرز هذه المناسبات شهر رمضان، حيث تكثر الصدقات والزكاة، مما يجعل الشوارع والأسواق مكتظة بالمتسولين. كذلك، تشهد الأعياد الدينية مثل عيد الفطر وعيد الأضحى زيادة في نشاط التسول، حيث يتواجد المتسولون بكثافة حول المساجد والمناطق التجارية. بالإضافة إلى ذلك، تزداد الظاهرة خلال المناسبات الوطنية والاحتفالات العامة، حيث يتجمع الناس بأعداد كبيرة، مما يوفر فرصاً أكبر للمتسولين لجمع الأموال.
ورديات التسول والتنظيمات غير الرسمية بين المتسولين
في شوارع مصر المزدحمة، لا يقتصر التسول على الأفراد الذين يعملون بشكل عشوائي، بل يتبع بعض المتسولين نظاماً منظماً يعتمد على الورديات لتغطية أكبر عدد من الساعات خلال اليوم. هذا التنظيم غير الرسمي يساعدهم على تحقيق أكبر قدر من الأرباح وتجنب التنافس المباشر في نفس المنطقة.
نظام الورديات
يعمل المتسولون بنظام الورديات، حيث يتناوبون على الأماكن الحيوية مثل الميادين العامة ومحطات المترو والأسواق. يبدأ البعض عملهم في الصباح الباكر، بينما يتولى آخرون الورديات المسائية، مما يضمن وجود متسولين في نفس المكان على مدار اليوم.
التنظيم غير الرسمي
توجد تنظيمات غير رسمية بين المتسولين لتنسيق العمل وتجنب التنافس في نفس المنطقة، حيث يتفق المتسولون على تقسيم المناطق بينهم، بحيث لا يتواجد أكثر من متسول في نفس المكان في نفس الوقت. هذا التنظيم يساعدهم على تجنب النزاعات وضمان تحقيق أرباح مستقرة.
مجمعات التسول تحت إشراف قادة غير رسميين
في مصر، لا يقتصر التسول على الجهود الفردية فقط، بل يتواجد تحت إشراف قادة غير رسميين ينظمون العملية بشكل دقيق. هؤلاء القادة يشرفون على توزيع المناطق بين المتسولين لتجنب النزاعات وضمان تحقيق أكبر قدر من الأرباح.
يقوم القادة غير الرسميين بتوجيه المتسولين إلى المناطق الأكثر ربحية، مثل الميادين العامة، محطات المترو، والمناطق السياحية، حيث يتم توزيع المتسولين بشكل يضمن عدم تواجد أكثر من متسول في نفس المنطقة في نفس الوقت، مما يقلل من التنافس ويزيد من فرص الحصول على المساعدة من المارة.
? الخلاصة:
التسول في مصر ليس مجرد سلوك فردي بل ظاهرة اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى حل شامل يجمع بين الدولة والمجتمع المدني والأسرة، ويعتمد على تجفيف منابع الفقر، وتوفير بدائل اقتصادية، بجانب حزم قانونية واجتماعية رادعة، حتى لا تتحول الظاهرة إلى مشكلة متوارثة عبر الأجيال.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










