قصة قصيرة
لم تكن منى تهوى اللوحات القديمة، بل كانت تخشاها … هناك شيء في العيون المرسومة يجعلها تشعر بأنها مراقبة … لكنها وافقت… رغم ذلك .. وافقت على استلام اللوحة الغامضة من مزاد خاص .. كجزء من إرث عمها الذي تلتقه قط.
اللوحة كانت مذهلة التفاصيل .. مرسومة لامرأة ترتدي فستانًا من طراز القرن الثامن عشر .. وتجلس على مقعد ذهبي أمام مرآة غير أن وجهها في تلك اللوحة لم يكن ظاهرًا .. ولكنه كان مُغطى بوشاح أسود رقيق .. يخفي ملامحها تمامًا ..
في الليلة الأولى .. ومن بعد تثبيت اللوحة على الجدار .. حدث شيء لم يكن في الحسبان …
استيقظت منى على صوت ضرب خفيف .. وكأن أحدهم يطرق الزجاج برفق .. في حينها .. نظرت إلى النافذة .. ولكن لم تجد أحدًا … أدارت عينها إلى باب الشقة .. فوجدته مغلقًا بإحكام .. ثم التفتت و ….. شهقت فزعًا …!!!
فعلى الجدار المواجه لها .. شاهدت اللوحة … ولكن … ليست كما كانت !! لم تعد المرأة تجلس على المقعد … لقد .. وجدت الكرسي … فارغًا …..!!!
استيقظت منى بفزعها، وتسارعت نبضات قلبها المسموعة كطبول الحرب، وعيونها لا تزال عالقة بذلك المشهد .. المقعد في اللوحة خالٍ والمرأة التي كانت تجلس عليه قد … اختفت!!!
أضاءت المصباح الجانبي .. وتقدمت نحو اللوحة بخطى حذرة .. التمع الوشاح الأسود في الضوء .. لكن .. لم يكن هناك وجه خلفه … ولا جسد .!!!!
“إنها .. مجرد لوحة” … هكذا همست لنفسها .. ربما لم تنتبه لتفاصيلها جيدًا من قبل .. ربما كانت مجهدة، لكن مع بزوغ الصباح .. قررت أن تتحقق بنفسها ..
ذهبت إلى المتحف الوطني .. حيث يعمل صديقها القديم باسم .. خبير الفنون القديمة.
وحين رأى باسم اللوحة .. شحب وجهه!
حدثها قائلًا: هذه اللوحة .. ليست جزءًا من أي سجل رسمي .. لا اسم لفنان .. لا توقيع .. لا تاريخ .. كأنها ظهرت من العدم.
نطق بعبارته .. ثم قلب اللوحة على ظهرها … وحينها .. شاهد نقوشًا .. بالكاد ترى بالعين المجردة .. حروف لاتينية مهمشة .. تقرأ “مرآة الروح” – “Speculum Animae”
تجمدت منى .. وراحت تهمس متسائلة في أعماقها: “هل هذه لوحة؟ أم مرآة؟”
وكأن صديقها باسم شعر بما تفكر به الأخيرة .. فوجه حديثه مردفًا: “إن صحت الأسطورة .. فهي مرآة تسرق من يتأملها طويلًا”
ضحكت منى باستخفاف .. ثم عقبت على حديثه قائلة: “أسطورة”
وسألته بنفس سخريتها: “أهذا ما تُدرسه الأكاديمية الآن؟ خرافات؟”
نطقت بها لكن في داخلها .. كان الخوف ينمو .. كجذر في الظلام …
في الليلة التالية .. قررت أن تراقب هذه اللوحة عن كثب .. جلست أمامها .. وضوء المصباح مُسلط عليها .. أعادت النظر في تفاصيلها .. المقعد .. الخلفية .. الستارة .. و… المرأة …
وفجأة … ارتجف قماش الوشاح في اللوحة … كما لو حركته ريح خفية … ثم ظهر شيء من تحته .. وجه .. أو ما يشبه الوجه … كان شاحبًا .. بلا ملامح . والعينان سوداوان تمامًا .. وكأن لا نهاية لهما …
تراجعت منى إلى الوراء .. لكنها لم تستطع أن تبتعد بعينيها .. وهناك شيء في اللوحة .. يجذبها .. يسحبها!!
شعرت بأن أطرافها تتجمد .. وصوتًا يهمس في رأسها: “لقد أطلت النظر”
ثم ذهبت إلى عالم اللاوعي .. أظلم كل شيء .. دفعة واحدة ….!!
حين استفاقت كانت الأرضية باردة تحتها .. الشمس لم تشرق بعد .. نهضت وهي ترتجف .. وتوجهت فورًا إلى اللوحة .. ولكن … في هذه المرة .. لم تجد المرأة تجلس على المقعد .. ولا الكرسي فارغًا …
ولكنها رأت شيئًا مختلفًا تمامًا … لقد شاهدت .. نفسها … رأت منى نفسها مرسومة في تلك اللوحة … وهي ترتدي قميص نومها الأبيض نفسه .. وعيناها مفتوحتان في هلع … تجلس على المقعد … أمام مرآة لا تعكس سوى الظلام ..
صرخت .. ثم ركضت نحو اللوحة .. وحاولت تمزيقها … لكن أصابها اخترقت سطحها .. كأنها تخترق الماء .. سُحبت يدها إلى الداخل …
وحينها .. أدركت أنها إن لم تفر الآن … فلن تعود أبدًا …
اندفعت إلى الخلف … وركضت نحو باب الشقة .. لكنه كان موصدًا بالسلاسل .. هي لم تضعها .. لم ترها من قبل … ثم سمعته ….
نفس الصوت الذي أيقظها في الليلة الأولى … طرق خفيف على الزجاج …..
استدارت ببطء نحو اللوحة .. المرأة عادت إلى المقعد .. لكنها لم تكن هي .. بل .. كانت منى .. عينها تنظر خارج اللوحة .. وتبتسم .. ابتسامة باردة …..
أما في المقعد أمامها .. حيث كانت تجلس من قبل … فقد انعكست صورة امرأة أخرى تمامًا ….
ذات وجه مشوه … بلا ملامح …
في صباح اليوم التالي .. زار باسم شقة صديقته منى .. بعد ما لم تجبه على الهاتف .. وجد الباب مفتوحًا .. دلف إلى الداخل .. وهناك .. لم يجد منى .. ولكن كانت اللوحة معلقة في مكانها .. لكن شيئًا جديدًا ظهر فيها .. شخص آخر يجلس على المقعد .. لا يرى وجهه جيدًا … اقترب باسم … ودقق النظر في ملامح الشخص .. وفجأة …. سمع صوتًا خافتًا .. يأتي من عمق اللوحة ….
“لقد أطلت النظر …….”










