المسرح ذلك الكائن الحي المستمد نبضات قلبه وروحه من ممارسيه وعشاقه أو جمهوره، وهو دائما أبدا في تطور لكل عناصر فن تشكيل صورته المسرحية بدءا من النص الأدبي المكتوب على هيئة مسرحية بإرشاداتها، فيتناوله مخرج تكونت في مخيلته سينوغرافيا( صورة مسرحية) ذهنية يسعى لتنفيذها مجسدة في صورة عرض مسرحي ،فيستدعى فريق العمل من أول المؤلف للاتفاق على ما يريده و ما يقترحه من تعديلات تجعل النص مهيئا لتناوله الجماعي من قبل مصممي العناصر الجمالية المسرحية لتشكيل الصورة المسرحية بصوامتها ( الديكور الإكسسوارات الإضاءة الأزياء الماكياج ) ونواطقها ( الحوار الأغاني الموسيقى التصويرية للعرض المؤثرات الصوتية ) وحركات ( أداء الممثل والرقصات أو الاستعراضات ) أو المرئيات المسموعات والحركات، لتحقيق توازن فني مابين النص بمضمونه والعناصر الجمالية .
إذن كل مكونات العرض المسرحي بدقائقه وتفصيلاته خاضعة للابتكار أو التجريب لا تنفصم عنه ، هذا يتم مع كل عرض بلا مبالغة وإلا صارت العروض روتينية في مجملها .
ولكن سدنة التجريب العرب بكل غشم صبوا جام غضبهم على النص المسرحي وصولا لموت المؤلف وهو انقطاع صلة المؤلف بنصه بعد تناوله من قبل المخرج فحاولوا تهميش الكلمة وقيمتها وحصروا جل اهتمامهم في تشكيل الصورة المسرحية واستعراض جملا إبداعية جديدة خرجت بفن تشكيل الصورة المسرحية إلى جمال التشكيل والصورة في عدم توافق مع النص ومضمونه ،وصارت العروض مقلدة لبعضها حتى في طرق أداء الممثلين ومضامينها وغرائبيتها وعدم مراعاتها لذائقة الجمهور متنافرة معه لينصرف عنها ،بل وصارت العروض نسخا مقلدة من بعضها البعض ، ومن العروض الأجنبية ، ولعل ظاهرة انصراف الجمهور عن ارتياد المسارح واختطافه من قبل نخبة من المسرحيين المتعالين في صلف على الجمهور، حتى الإعلام المسرحي العليل بدعاة النقد وألسنتهم الأعجمية الأكاديمية المتفيقهة ،ولغتهم ومفرداتهم ومصطلحاتهم الغريبة زادوا الجمهور بعدا ، حتى انحصر رواد المسارح في نخبة ثائرة على المسرح التقليدي من وجهة نظرهم بشكل عام وتلقفهم لكل جديد دون تفكير وتمحيص ، مؤكدين على غربية فن المسرح بكل اندفاع حثيث مطيحين بجهود الرواد من المسرحيين العرب والأساتذة الذين مكنوا لفن المسرح أن يعيش ويصبح له تواجده ويشغل حيزا كبيرا لدى الجمهور العربي وإقباله على عروض المسارح الحكومية والخاصة ، حتى وصلنا نتيجة لغرائبية العروض وسخافتها إلى انكماش الحركة المسرحية ولم يعد في مصر والوطن العربي سوى مسرح فنان الشعب محمد صبحي الذي يقدم المسرح الذي يعرفه ويألفه ويحبه الجمهور مسرح منهم ولهم متوافق معهم ، وفيه تناول العرض بأحدث التقنيات في ظل مضمون وكلمة رصينة لكأنها صدى عما في صدر الجمهور.
وأما عن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي فهو ليس إلا سبوبة أو مرزقة ومستنقع للمجاملات والتكريمات فاقد الروح والقيمة متجمد عند أسماء راكدة من مديرين ومحاضرين وضيوف ومشاركين وجمهور النخبة بالمنبهرين بهم ،بوضعه الحالي المتدهور لا يقدم جديدا ، وليس عجبا أن يحاول القائمون عليه تغيير اسمه لمهرجان المسرح المعاصر والتجريبي ، مسميات فارغة المضمون والمحتوى ، فإن كان ولابد فليكن هناك مهرجانا دوليا لفن المسرح يستوعب العروض المختلفة الثرية فكريا وفنيا فتحقق المتعة للجمهور ، وإن أصر القائمون عليه على استمراره مع عدم تعامل المسؤولين مع أمر بقائه أو إلغائه أو تطويره فليس أمامنا إنقاذا لفن المسرح من براثنهم إلا أن نسألهم الرحيلا .










